إذ حَدًدْنا الفقهَ بعلم الأحكامِ الشرعيَّةِ، فلابُدَّ أن نُوَضحَ عن حقيقةِ العلمِ الذي حدَّدْنا به الفقهَ حسبَ ما أوضحْنا من حقيقة الفقهِ، وقد اخْتبَطتْ فيها أقوالُ العلماءِ على اختلاف مقالاتِهم وآرائِهم.
والكُل معترَضٌ بطريقين:
أَحدهما: بالخلاف فيما انْبَنى عليه التَّحديد.
والثاني: بطريق التَّحقيقِ، وأن في القَوْلِ فيه والتَحديدِ له قصورًا عنه، وإِجمالًا (١) لا يَصْفو معه كشف حقيقتِه.
فقال قوم: معرفةُ المعلومِ على ما هو به (٢).
وقال قومٌ: معرفةُ الشَيءِ على ماهو به (٣).
فمَنْ قال: معرفة المعلوم. اعْتُرِضَ قولُه بأنه صَرفَ من اللفظة قبلَ بيانِ معناها، وقولُنا: معلوَم، مصرف من عَلِمَ، كمضروبٍ من
_________________
(١) في الأصل: (إجمال).
(٢) وهو ما اختاره الشيرازي في "شرح اللمع في أصول الفقه" ١/ ٨٤.
(٣) أورد القاضي أبو يعلى عدة تعريفات للعلم، وذكر ما يرد على كل منها. انظر "العدة" ١/ ٧٦ - ٧٩.
[ ١ / ١٠ ]
ضَرَبَ، ومن لا يعرفُ الأصلَ لا يعرفُ المصرَّفَ منه، وما هذا إِلا بمثابةِ من حَدَّ السوادَ بما سَودَ الجسمَ، ونحن لم نَعْلَمْ سوادًا، فكيف نعرفهُ بما صُرفَ منه؟!
ومن قال: معرفةُ الشيءِ. معترَض بأنه يَخرجُ منه العلمُ بالمعدومِ، فإنه علمٌ، وليس بمعرفةٍ بشيءٍ، وإن بناه على ذلك الأصلِ، فهو فاسدٌ بالأدلة القاطعةِ في أصول الدِّينِ. ولو كان ذاتًا في العدَم، لكان مُستغنِيًا بذاته عن القديمِ، وهذا نفسُ القولِ بقِدَم العالَمَ، وموافقةٌ لأصحابِ الهوى، فهَذان حدَّان متقاربان معترَضان.
وقال قوم: تَبَيُّنُ المعلوم على ماهو به (١). والحدُ للحقيقةِ ينتظمُها شاهدًا وغائبًا، واللهُ سبحانه يَتعالى عن أن يوصفَ بأنه متبيِّنٌ، لِمَا في طبعِ هذه الكلمةِ وجوهرها من العثورِ على الشَّيءِ بعد خفائِه، والظهورِ بعد استبهامِه، وهو بالعثورِ بعد الخفاءِ أخصُّ منه بالمعرفة المطلقةِ.
وقال قومٌ: اعتقادُ الشَيءِ على ما هو به مع سكونِ النفسِ إلى معتقَدهِ (٢). واعْتُرضَ بأن ما تعتقدُه العامةُ من الجهالاتِ، وتَسْكُنُ إليه من التقاليدِ ليست علومًا، وسكونها إلى ما تعتقدهُ تَبْعُدُ إزالتهُ بالتشكيك فيه بأنواعِ الحُججِ والبراهينِ، فضلًا عن الإزاحةِ عنه، وقولهُم: الشَيء. قد أفسَدْناه واعْتَرَضْناه بما دل على إفساد مقالةِ أهلِ المعدومَ.
_________________
(١) انظر "البرهان في أصول الفقه" للجويني ١/ ١١٥.
(٢) أورد أبو إسحاق الشيرازي هذا القول ونسبه للمعتزلة، وذكر الاعتراضات التي ترد عليه. انظر "شرح اللمع" ١/ ٨٤ - ٨٦.
[ ١ / ١١ ]
وقال قوم: إدراكُ المعلوم أو الشَيءِ على ما هو به. وإدراك، لفظ عام يَشترك بين دَرْكِ الحواس والعلومِ، والحدُ بالمشترَكِ لا يجوزُ، وإنما يُحَدُّ الشيءُ بخصيصة.
وقال قوم: الإِحاطةُ بالمعلوم. وهو معترَض بأن الإِحاطةَ تشتَرِكُ أيضًا، يقالُ: أحطتُ به رؤيةً وسَماعًا.
وقال الشيخُ أبو القاسمِ بنُ بَرْهانَ (١): هو قضاءٌ جازم في النًفْس.
والقضاءُ بالحكم أخص منه بالعلمِ.
واحسَنُ ما وجدتُه لبعضِ العلماءِ أنْ قال: هو وِجْدانُ النفس الناطقةِ لامورِ بحقائقِها (٢).
وقال بعضُ المتأخًرين: العلمُ هو ما أَوجبَ لمن قامَ به كونَه عالمًا (٣). وهذا أبعدُ من الكلِّ؛ لما فيه من الِإحالةِ على كون العالِم بما قامَ به عالمًا، ونحن لم نعلمْ ما قامَ به، وعن ذلك سُئِلَ، وكونُه عالمًا اسمٌ، لكنْ لحقيقةٍ بَعْدُ ما عَلِمْناها، وما ذلك إلا بمثابةِ مَنْ سُئِل عن السوادِ فقالَ: هيئةٌ يصيرُ بها الجسمُ اسودَ (٤)، وأسودُ مشتقٌّ من
_________________
(١) عبد الواحد بن علي بن برهان، أبو القاسم العكبري، شيخ العربية والنحو والأنساب، توفي سنة (٤٥٦) هـ. "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ١٢٤.
(٢) ذكر الطوفي هذا التعريف الذي اختاره ابن عقيل، وأورد عليه اعتراضين. انظر "شرح مختصر الروضة" ١/ ١٦٩ - ١٧٠.
(٣) ذكره الجويني، وصرح بنسبته لأبي الحسن الأشعري. انظر "البرهان" ١/ ١١٥.
(٤) في الأصل: "أسودًا".
[ ١ / ١٢ ]
سوادٍ، فقد أحالَ على اسمٍ ما عَقَلْنا بعدُ الحقيقةَ التي لأجلها سُمِّيَ أَسودَ، ويُفضي إلى الدَّوْرِ، فيُعَرِّفُ السَّوادَ بالأسود، والأسود بالسَّوادِ، وما عَرَفْنا الحقيقةَ التي صَدَرَ عنها إلا بتميينر.
وقال بعض المتاخَرين من المحقَقين (١): لا حَدَّ له عندى، وإنما هذه كلُّهارسومٌ (٢).
فإن قيل: فالحدود كلها تعطي حد الشَيءِ بنفسِه، فإن المعرفةَ هي العلمُ، والتَّبَينَ هو العلمُ، والإِدراكَ هو العلم، فمن قال: العلم المعرفةُ، كمن قال: العلمُ العلمُ.
قيل: أَجمعَ العلماءُ على أنه لا يجوز حَدُّ المحدودِ بغيرِه، بل لا يُحَدُّ إلا بنفسِه؟ فالسائل عن حَدِّ الشَّيءِ لا يسألُ إلا لجهالتِه بحقيقةِ ما سألَ عنه، فلو أتَيْنا عند سؤالِه عن حقيقةِ الشيءِ بالغيرِ، جَهَّلْناه بحقيقتهِ، إذ أَشَعَرْناه بغيره، وبَعَّدْناه عن مقصودِه، ولو أعدنا عليه ما سألَ عنه، بأنْ يقولَ لنا: ما العلمُ؟ فنقولَ: العلمُ، لَمَا افَدْناه، فقد نطقَ باسم ما عرفَ حقيقته، فإذا أعدنا عليه اللَّفظةَ لم أَفِدْه شيئًا، فإذا بطلَ الأمران، لم يَبْقَ أن يكونَ الجوابُ إلا الفَزَعَ إلى الأوجزِ عبارةً، وأخصِّ خصيصةً؛ لنكشفَ عن حقيقتهِ بإيجازِها، وتخصُّصِها، وكشفِها عن جوهريَّتهِ وطبيعتِهِ، فنكون بذلك مقرِّبين إلى فهمِه معنى ما سألَ عنه، لا عادلين إلى غيرِه، ولا معيدين لِمَا سألَ عنه، بل موضِّحين كاشفِين عن حقيقةِ ما سألَ عنه.
_________________
(١) في الأصل:"المحقين".
(٢) وهو ما قاله الغزالي في "المستصفى" ١/ ١٦ - ١٧.
[ ١ / ١٣ ]