اعلم أن الخَطأ يَدخل علي النَاظرِ من وجهين:
أحدهما: أن ينظرَ في شبهةٍ ليست دليلًا، فلا يصلُ إلى العلم.
والآخر: أن يَنظر نظرًا فاسدًا، وفسادُ النظر يكون بوجوه: منها: أن لا يَستوفِيَه، ولا يَستقصيَ فيه، ولا يَستكمِلَة، وإن كان نَظرًا في دليل.
ومنها: أنِ يَعدِل عن التَّرتيب الصحيح في نظره، فَئقَدَّم ما حَقه أن يُؤخَّر، وئؤخَّر ما مِن حَقِّه أن يُقَدم (٢).
ومنها: أن يَجهل بعضَ صِفاتِ الدليلِ التي لا يَتم كوُنه دليلًا على الحكم إلا بحصولها، وحصولِهِ عليها، وحصولِ علم المستدلِّ بها.
ومنها: أن يَضم إلى وَصف الدليل وَصفًا يُفسده، نحو أن يقول: إنما يدل خَبر النبي - ﷺ - على تحريم الخَمر؛ لأنه خَبرٌ عن تحريم
_________________
(١) في "شرح اللمع": ١/ ٩٥: "أن يستوقي الدليل بشروطه لأنه متى لم يستوف الدليل بشروطه، بل تعلق بطرف الدليل أخطأ الحكم ولم يصل إلى المقصود".
(٢) "شرح اللمع" ١/ ٩٥.
[ ١ / ٥٧ ]
الخمر. فإن ذلك يُؤدي إلى أن يكون خبرهُ عن تَحريم المَيْتةِ والدَّم ليسَ بدالٍّ على تَحريمها؛ لأنه ليس بخبرٍ عن تحريم الخَمر، ولو لمَ يَدل خَبره عن الميتة والدم على كونهما حَرامَين، لما دلَّ خبره (١) عن كونِ الخَمر حَرامًا على كونهِ حرامًا، ولبطلت دلالةُ جميعِ أخباره عن سائر الأحكام.
فهذه الزيادةُ وأمثالُها في أدلة العقلِ والسمعِ مُفسدةٌ للاستدلال (٢)، وجَهلُ الناظرِ ببعض صفات الدليل التي يحتاج إلى عِلمها نُقصان مِنه، ومُفسدٌ للنظرِ فيه، وصورة ذلك أن يسمعِ المكلًفُ خَبرَ النبي - ﷺ - عن تَحريم الخمر، ولا يعلمَ مع ذلك أنه خبر لرسولِ الله، فلا يَعلم- لجهله قَصدَ الله سُبحانه- كونه دَليلًا. وكذلك لو شاهدَ ما يظهر على يده من إحياء الميت، وقَلب العصا ثُعبانًا، وفَلقِ البَحر، ولم يعلم أنه من فِعل الله سُبحانه مقصودًَا به إلى تَصديقه، لم يَعلم كونه دلالة على ثبوته في أمثال هذا. وهذه جملة ما يُدخِل الخَطأ والتخليطَ على الناظر.
فصل