<رأس>فصل في معنى التكليف، وقصدِ الفقهاءِ بوصفِ الشخصِ أئه مُكلَّف.
</رأس>
اعلم أن حَدَ التكليفِ: إلزام ما عَلى العَبد فيه كُلفَةٌ ومَشقَّةٌ، إما في فِعله أو تَركِه، كقول (١) القائل: كَلَّفتُك (٢) عظيمًا، وكلَّفتُ زَيدًا أمرًا شاقًا، وأمثال ذلك، والفقهاءُ يَستعملون ذلك على ثَلاثةِ معاني:
فوجهٌ منها: ما قُلناه وحَدَّدناه، وهو الأصل الجامع، وهو المطالبة بالفِعل أو الاجتناب له، وذلك لازمٌ في الفَرائض العامّة، نحو التَوحيد والنُّبوة والصلاة، ومَا جَرى مجرى ذلك، لكلِّ عاقلٍ بالغ مع اختلافِ فَرائضهم في أمورٍ لا يَعم فَرضها.
والوجه الثاني: أن يَقولوا للعبدِ: مُكَلفٌ ومُخاطَب، على تأويل أنَّ عليه فيما سَها ونامَ عنه ولَم يقع منه في حال السكرِ والغَلبة فرضًا (٣) يلزمه، على تأويل أن طَلاقَه نافذٌ واقع، وحَدَّه واجبٌ، وضَمان جِنايَته في ذِمته لازمٌ، ومن ماله مأخوذٌ، وأمثال ذلك، وإنما يُخاطَب بذلك قبلَ زوالِ عقلِهِ وبَعدَه، فيقال له: إذا نَسيتَ صلاةً ونمتَ عنها في وقتٍ لو كنتَ ذاكرًا لها (٤) ويقظانًا لزمَتك، فقد وجب عليك قَضاؤها وفعل مِثلها،
_________________
(١) في الأصل: "يقول".
(٢) في الأصل: "كلفك".
(٣) في الأصل: "فرض".
(٤) في الأصل: "الله".
[ ١ / ٦٨ ]
كما يقال للحائض: إذا طَفرتِ فعليكِ قَضاءُ الصيام الذي لم تُخاطَبي به بسببِ عَرَضٍ أزال تَكليفَه عَنك.
والوجه الثالث: أن يَقولوا: إن الطفل مُخاطَبٌ ومُكلَّف، وكذلك العَبد والمريض. يَعنون بذلك؛ أنهم إذا فَعلوا ما لا يَجب عليهم فِعله، نابَ مَنابَ ما يجب عليهم ووَقع موقعَه، ولذلك قالوا: المريض الذي يُجهدُه الصيامُ والقِيامُ إلى الصلاة ولا يَجب ذلك عليه، مخاطَبٌ بِهما إذا فَعلَهما. يعنون بذلك: أنهم إذا فَعلوا ما لا يَجب عليهم فِعله، نابَ مَناب ما يجب عليهم وَوقع مَوقِعَه. ويقولون: العبدُ مُخاطبٌ بالجُمَعِ إذا حَضرها وفَعلها. يَعنون بذلك؛ أنها نائِبةٌ مَناب ما يجب عليه وإن لم تكن مِن فَرضه. وكذلك من تَكلًف الحج باستطاعة بَدَنِه وإن لم يَجد زادًا ولا راحلةً، تكلًف الحج بمعنى أنه نائبٌ عن فَرضِهِ إذا وجد ذلك، وإن لم يكن ما فَعله من مُكلًفه، على قولِ من جَعل الاستطاعةَ: الزادَ والراحلةَ (١).
وكذلك قولهم: إن الطفل مُكلفٌ بالصلاة (٢) إذا فَعلها بشروطها قبل البلوغ، وفي الوَقت. يَعنون بذلك: أنها نائبة مَناب ما يجبُ عليه، وإن لم تكن من فَرضه، فيجب تَنزيل فَرائِضِهم على هذه الوجوه.
فإن قيل: ليس يَنضبط الحدُّ بما ذَكرتم، فإنً إفطارَ العيد (٣) من أيام التًشريق، والطيبَ، والاغتِسالَ، وأخذَ الزينةِ من اللِّباس للجُمع
_________________
(١) انظر "المغني" ٥/ ٧ - ٩.
(٢) في الأصل: "للصلاة".
(٣) في الأصل: "العبد".
[ ١ / ٦٩ ]