برع ابن عقيل﵀- في علوم كثيرة، وبزَّ أقرانه في فنون مختلفة، وزاحم علماء عصره، وتقدم على فضلاء دهره، فحاز المكانة العالية، وبلغ المرتبة السامية، التي أهلته أن يكون مرجعًا في كثير من العلوم.
وقد كان﵀- بارعًا في الفقه وأصوله، وله في ذلك استنباطاتٌ حسنةٌ، وتحريراتٌ كثيرةٌ مستحسنة، وكانت له يد طولى في الوعظ والمعارف، وكلامه في ذلك حسنٌ، وأكثره مستنبطٌ من النصوص الشرعية، فيستنبط من أحكام الشرع وفضائله معارف جليلة، وإرشادات دقيقة (١).
ونال ابن عقيل مكانة عالية عند كثير من علماء عصره على اختلاف مذاهبهم، إذ لم يكن﵀- مُقلِّدًا، ولا مُتعصبًا لرأي، بل كثيرًا ما كان يخالف آراء المتقدمين عن دليلٍ ونظرٍ. فمع أنه تفقه على مذهب الإمام أحمد﵀- وألف فيه، فأضحت تصانيفه معتمدة في بيانه وتقريره إلا أنه نحا منحى الاجتهاد، فانفرد بمسائل كثيرة خالف فيها المذهب، لدليل ظهر له.
يقول عنه ابن رجب: "وكان مع ذلك يتكلم كثيرًا بلسانِ الاجتهاد والترجيح، واتِّباع الدَّليل الذي يظهرُ له، ويقول: الواجبُ اتِّباعُ الدَّليل، لا اتِّباع أحمد" (٢).
وقال عنه أيضًا: "وله مسائل كثيرةٌ ينفردُ بها، ويُخالف فيها المذهب" (٢).
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥٢.
(٢) ذيل طبقات الحنابلة ١٥٧/ ١.
[ مقدمة / ٢١ ]
وقد أثنى عليه جماعةٌ من أفاضل العلماء؛ قال ابن الجوزي: "انتهت إليه الرئاسة في الأصول والفروع، وله الخاطِرُ العاطِرُ، والفهمُ الثاقِبُ، واللَّباقَةُ، والفطنةُ البغدادية، والتبريز في المناظرة على الأقران، والتصانيفُ الكِبار" (١).
وقال الحافظ الذهبي عنه: "الإمامُ العلامة، البحر، شيخ الحنابلة، المتكلم، صاحب التصانيف. كان يتوقد ذكاءً، وكان بحر معارفٍ، وكنز فضائلٍ، لما يكن له في زمانه نظير" (٢).
وقال ابنُ السمعاني: "كان إمامًا، فقيهًا، مُبرِّزًا، مناظِرًا، مُجودًا، كثير المحفوظ، مليح المحاورة، حسن العشرة، مأمون الصحبة" (٣).
وقال عنه أبو طاهر السلفي: "ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء ابن عقيل، وما كان أحدٌ يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحُسنِ إيراده، وبلاغة كلامه وقوة حجته" (٤).
ووصفه الصَّفديُّ: بأنه من أعيان الحنابلة، وكبار شيوخهم، وكان مُبرِّزًا، مناظرًا، حادَّ الخاطر، بعيد الغور، جيد الفكرة، بحاثًا عن الغوامض، مقاومًا للخصوم، وصنف كتبًا في الأصول والفروع والخلاف (٥).
وقال ابن رجب:"كان من أفاضل العالم، وأذكياء بني اَدم، مُفْرط الذكاء في العلوم، وكان خبيرًا بالكلام، مُطلعًا على
_________________
(١) مناقب الإمام أحمد: ٦٣٤.
(٢) سير أعلام النبلاء١٩/ ٤٤٣ - ٤٤٥.
(٣) لسان الميزان ٤/ ٢٤٤.
(٤) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٤٧.
(٥) الوافي بالوفيات ٢١/ ٣٢٦.
[ مقدمة / ٢٢ ]
مذا هب المتكلِّمين " (١).