لقد عانى ابن عقيل﵀- في نشأته من وطأة الفقر، وقلة ذات اليد، ومرارة العِوَزِ والحاجة، حتى إنه كان ينسخ بالأجرة، يقول عن نفسه: "وعانيتُ من الفقر والنسخ بالأجرة" (٢).
كان ذلك إلى أن هيأ الله له الشيخ أبا منصور عبد الملك بن يوسف (٣)، فتكفل برزقه، وكفاه مؤونة البحث عن الرِّزق، ليتفرغ لطلب العلم.
فتفرغ ابن عقيل إثر ذلك لطلب العلم، وشرع في تحصيله والتَزوُّد منه، ومما هيأ له الجو لينهل من معين العلم، كونه نشأ في بغداد التي كانت آنذاك تعج بالعلماء والفقهاء على اختلاف مذاهبهم وتنوُّع مشاربهم.
وساعده هذا على النهل من كافة العلوم، والاستفادة من شتى المعارف، مما كوَّن لديه حصيلة طيبة مُتميِّزة.
وكان لما حباهُ الله به من ذهنٍ وقادٍ، وذكاءٍ مُفْرِطٍ، وهمةٍ عاليةٍ أثرٌ كبيرٌ في تحصيل العلوم، يقول عنه ابن رجب: "وكان ابن عقيل ﵀ من أفاضل العلماء، وأذكياء بني آدم، مُفرط الذكاء، مُتَّسع الدائرة في العلوم " (٤).
_________________
(١) نفس المصدر، والمنهج الأحمد ٢/ ٢٧٠.
(٢) المنتظم ٩/ ٢١٣، ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٤٣.
(٣) توفي سنة ٤٦٠ هـ، ترجمته في المنتظم ٨/ ٢٥٠، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٣٣٣.
(٤) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٥١.
[ مقدمة / ١٣ ]
لقد كانت هذه الهمة، مع تلك الرغبة في ارتشاف العلم، مع حفظ الله تعالى له، حائلًا بينه وبين الالتفات إلى ما عدا ذلك من نعيم الدنيا الزائل وملاهي الحياة ومفاتنها، يقول ﵀: " وعصمني الله من عُنْفوان الشبيبة بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطتُ لعَّابًا قط، ولا عاشرتُ إلا أمثالي من طلبة العلم " (١).
وكان ﵀ يرى أن طلب العلم أفضلُ ما يتقرَّبُ به العبد إلى ربِّه، بعد أداء الفرائض، يقول في مقدمة كتابه "الفنون" (٢): "أما بعد، فإن خير ما قُطع به الوقتُ، وشُغلت به النَّفسُ، فتُقُرِّب به إلى الرَّبِّ جلَّت عظمتُه، طلبُ علمٍ أخرج من ظُلمة الجهل إلى نور الشرع، واطلع به على عاقبةٍ محمودةٍ، يُعملُ لها، وغائلةٍ مذمومةٍ، يُتجنَّبُ ما يوصلُ إليها".
ويقول﵀-: " إني لا يحلُّ لي أن أُضَيعِّ ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مُذاكرةٍ ومناظرةٍ، وبصري عن مطالعةٍ اُعمِلُ فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهضُ إلا وقد خطر لي ما أُسطرُهُ" (٣).
وهذا من تقديره﵀- لقيمة الوقت، وحرصه على عدم إهداره أو إضاعته.