الطُّهر، وهل العَفو إلى الزوج أو الوَلي؛ وذلك من باب الاجتهاد الذي يَسوغ الاختِلاف فيه، وليسَ هو من باب حَمل الفَرع على الأصل بالعِلة.
فصل
وقد زعم قوم أن الاستِدلالَ على الحكم ومَوضع الحكم ليس بقِياس، وأنه استِدلال، وأنه لكونه استدلالًا جازَ إثباتُ الحدود والكَفارات به، لا مِن حيث كونه قياسًا (١). وهؤلاء قوم امتنعوا من الاسم، وأعطوا المعنى، لأنه إذا حُقَقَ عليهم خَرج كلامهم المُسمى استدلالًا قِياسًا مَحضًا.
ومثال ذلك: قولهم بوجوب الكفارة في رَمضان من الجنس الأَكل، لكن لاختصاصه بأنه تَناوله مقصود (٢)، حصل به الهتك لصَوم عين رمضان، على وَجهٍ حصل به مأثمُ الإِفساد والهَتك، ولا شُبهة حصَلت قبل خُروجِ اليوم، مع كون الصوم مُسْتَحَقًَا وقت الإِفساد، ولا مَفْزَع لهم في جَميع ذلك ولا مُستند إلا إلى الوَطء، فاشبه -بهذه الخصائص- الأكلُ عامِدًا الوطءَ (٣)، فهل هذا إلّا محضُ القياسِ؟! ومَحصول هذا رَدُ الأكل إلى الوَطء بمعانٍ جامعةٍ وأوصافٍ مؤثرة.
وكذلك رَدُ الأرُزِّ على البُر، والنَبيذِ على الخَمر بالمعنى، فإن
_________________
(١) نسب أبو الحسين البصري ذلك إلى الحنفية في "المعتمد" ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٧.
(٢) هكذا وردت العبارة في الأصل، ولعل الأولى أن تكون:" قولهم بو جوب الكفارة في رمضان من الأكل، لاختصاصه بأنه تناول مقصود .. ".
(٣) في الأصل: "للوطء".
[ ١ / ٦٢ ]
التَحريم فيها لم يجب للجنس، وإنما وَجبَ لمعنىً يشتركان فيه، ولا فَضل بين (حمل)، (١) الأكل على الوَطء بهذه الخصائص، وبينَ حَمل الأرُزِّ علىِ البُر بالخِصيصة الجامعة بَينهما.
فقد بان هذا، وسَنُبين فيما بعد- إن شاء الله (٢) أن المطلوب بطرق الاجتهاد في الشرعيات الظن- لثبوت الحكم- وغالب الظن، فإذا جازَ إثبات الحدود والكفارات بمثل هذا الاستدلال وهو مُوجب لغالب الظنّ دون العِلم بجواز الخِلاف والاجتهاد فيه، صَحَّ أيضًا وجازَ إثباتها بطريق القياس على العِلَّة، لأنه أقوى وأثبت من هذه الطريقة، فلا وَجهَ لفَرقِهم في ذلك بين استِدلالٍ (٣) وقِياس يوجبان غالبَ الظنّ دون العِلم، ولا بقي فرقٌ سوى تسمية هذا قِيًاسًا وهذا استِدلالًا، ولا وَجه للتعويل في الفَرق على اختِلاف الاسم.
وأما قَولهم: إننا نُعمِل القِياس في مَوضعِ الحدِّ والكَفارة، ولا نُعمِله في إثباتهما. فإنه قَول خِلوٌ عَن مَعنى؛ لأن موضعهما إذا لم يَكن معلومًا بطريقٍ تُوجِبُ العلم، وصَح أن نَجعل القِياس موضعًا لهما، جازَ أيضًا أن نُثبتَهما بقياسٍ لا يُوجِب العلم، ونحنُ نَستقصي ذلك في مسائل القِياسَ الخِلافية لنا ولَهم (٢)، إن شاء الله.
_________________
(١) زيادة يتم بها المعنى.
(٢) في الجزء الأخير من الكتاب.
(٣) في الأصل: "الاستدلال".
[ ١ / ٦٣ ]