عندما ضاق الكفار بالإِسلام، ونفد صبرهم عن تحمله، وخلت عقولهم وأيديهم من معارضة القرآن الكريم، والطعن به، لجؤوا إلى الهدم عن طريق السنة، وسلطوا شكوكهم على الحديث، ووجهوا سهامهم على حجيته، وتعرضت السنة للإنكار في القرن الثاني الهجري من بعض الفرق الضالة المارقة من الدِّين، احتجوا بشبه واهية ضعيفة،
_________________
(١) الأدلة الآتية للاستئناس وليست لإقامة الحجة؛ لأنه لا يصح أن نحتج على الشيء بنفسه، فنقول: السنة حجة لما ثبت في السنة.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك.
(٣) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد عن المقداد بن معديكرب، وانظر معالم السنن، للخطابي: ٧ ص ٧، سنن أبي داود: ٢/ ٥٠٥، مسند أحمد: ٤/ ٣٣١.
(٤) روى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: "وكان الوحي ينزل على رسول الله - ﷺ -، ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك" تفسير القرطبي: ١/ ٣٩.
(٥) رواه أبو داود (٢/ ٢٧٢)، وأحمد (٥/ ٢٤٢)، والترمذي (٤/ ٥٥٦)، والدارمي (١/ ٦٥، ط البغا).
[ ١ / ٢٠٠ ]
وحاولوا الاعتماد على بعض الآيات القرآنية لتأويلها حسب هواهم، وتحميلها ما لم تحتمل، مثل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقالوا: لا حاجة للسنة لأن القرآن بيَّن كل شي، ولم يفرط في أمر من الأمور، وبالتالي فالسنة ليست مصدرًا تشريعيًّا للأحكام (١)، وأضافوا إلى حجتهم الحديث الذي ينكر استقلال السنة بالتشريع، وأن ما ورد فيها يجب عرضه على كتاب الله، فإن لم يوجد في القرآن فيجب رده، ونسبوا الحديث إلى ثوبان عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف فلم أقله".
ويرد على هذه الفئة بما يلي:
١ - إن الآيات الكريمة! السابقة في حجية السنة ترد مزاعمهم وتبطل حججهم، وتفند أدلتهم، وهي نصوص صريحة واضحة في اعتبار السنة مصدرًا تشريعيًّا في الأحكام.
٢ - إن الآيتين الكريمتين اللتين استندوا إليهما لا تدلان على هذا الفهم، وإن القرآن الكريم تبيان لكل شيء بما ورد فيه من أحكام، وبما أشار إليه من مصادر، وما تضمنه من قواعد عامة وأحكام مجملة بينتها السنة.
_________________
(١) كتاب جماع العلم للإمام الشافعي، مطبوع مع الأم: ٧ ص ٢٥٠، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٩٠، الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي: ص ٢٤٨، الموافقات: ٤ ص ١١، أصول السرخسي: ١ ص ٢٨٣، ومما قاله الشاطبي رحمه الله تعالى: "إن الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم، خارجين عن السنة، إذ عولوا على ما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شيء، فاطرحوا أحكام السنة، فأداهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة، وتأويل القرآن على غير ما أنزله الله".
[ ١ / ٢٠١ ]
٣ - أما حديث ثوبان فهو موضوع، وضعته الزنادقة، كما قال يحيى بن معين، وقال الشافعي: ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وهذا الحديث نفسه إذا عرض على كتاب الله فإنه يخالفه (١) في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله تعالي: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
٤ - يقول: رسول الله - ﷺ -: يُوشك أن يقعد الرجل متكئًا، يحدِّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرّم رسولُ الله مثل ما حرَّم الله (٢).
٥ - قال رسول الله - ﷺ -: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتُم مما علمني يومي هذا " الحديث (٣).
ولا تزال السنة تتعرض لهجمات الملحدين والمستشرقين والمارقين من الدِّين الذين يسعون لهدم الإِسلام عن طريق هدم السنة متنًا وسندًا، ولكن الله تعالى سخر الأئمة والعلماء والمخلصين لرد كيد الكائدين، وتزييف دعواهم، وصيانة السنة من كل دخيل، وبقيت السنة خالصة من كل شائبة، نقية من كل تحريف (٤)، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
_________________
(١) إرشاد الفحول: ص ٣٣، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٩٠.
(٢) رواه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم عن المقداد بن معد يكرب.
(٣) رواه مسلم ١٧/ ١٩٧.
(٤) انظر كتاب: السنة ومكانتها في التشريع، للدكتور المرحوم مصطفى السباعي، والسنة قبل التدوين، للزميل الدكتور محمَّد عجاج الخطيب. وسأل ضمام بن ثعلبة رسول الله - ﷺ - عن الصلاة والزكاة والصوم والحج، وكان يقول: الله أمرك بهذا؟ فيقول: "نعم" رواه البخاري ومسلم والبيهقي (٤/ ٣٢٥)، وانظر المجموع للنووي ٧/ ٧٥.
[ ١ / ٢٠٢ ]
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
ويلحق بهذا المطلب فرعان: الأول: تقسيم السنة من حيث السند لبيان حجية كل قسم، والثاني: حجية خبر الآحاد.
[ ١ / ٢٠٣ ]