كان الصحابة في حياة رسول الله - ﷺ - يتلقون الأحكام من رسول الله ﷺ، فإن غابوا عن مجلسه، ولم يعلموا حكمًا شرعيًّا في واقعة، اجتهدوا فيها، وسعوا في استنباط الأحكام لها، وقد دعاهم رسول الله ﷺ إلى ذلك في حضوره وغيابه، فقال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (٢)، وأقر معاذ على الاجتهاد عند عدم النص، كما سيرد بعد قليل، وكان الصحابة سرعان ما يعرضون اجتهادهم على رسول الله ﷺ، فإن كان صوابًا أقره وباركه ودعا لصاحبه، وإن كان خطأ أنكره وبيَّن بطلانه، ولذلك فإن اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله - ﷺ - يرجع إلى القسم الأول، فكأن الحكم صادر عن رسول الله بإقراره أو إبطاله أو إلغائه.
روي عن عبد الله بن عمرو أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ، فقال لعمرو: "اقض بينهما، فقال: أقضي بينهما"، وأنت حاضر يا رسول الله؟ قال: "نعم، على أنك إن أصبت فلك عشرة أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر" (٣).
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون: ص ٤٥٣، أصول الفقه، الخضري: ص ٣، المدخل إلى علم أصول الفقه، الدواليبي ص ٥٣، الفتح المبين: ١ ص ١٦.
(٢) رواه أصحاب الكتب الستة والحاكم والشافعي وأحمد عن عمرو بن العاص وأبي هريرة، (انظر: صحيح البخاري بحاشية السندي: ٤ ص ٢٦٨، سنن الترمذي: ٣ ص ٣٠٧، سنن النسائي: ٨ ص ١٩٧، سنن ابن ماجه: ٢ ص ٧٧٦، المستدرك: ٤ ص ٨٨، بدائع المنن: ٢ ص ٢٣١، التلخيص الحبير: ٤ ص ١٨٠، سبل السلام: ٤ ص ١٦٠، تخريج أحاديث البزدوي: ص ٢٣٠).
(٣) رواه الحاكم في المستدرك: ٤ ص ٨٨، وانظر أصول الفقه، الخضري: ص ٤١٠، تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٣٠، مسند أحمد: ٢ ص ١٨٧، ٤ ص ٢٠٥، وروى =
[ ١ / ٤٣ ]
ولكن هذه الفترة أعطت الصحابة تجربة حية، وملكة ناصعة، فقد عاصروا نزول القرآن الكريم، وعرفوا حكمة التشريع، واطلعوا على أسرار الشريعة، وعرفوا قسطًا من تفسير القرآن الكريم من رسول الله، وأدركوا أسباب نزول الآيات وورود الأحاديث، وصاحبوا رسول الله ﷺ ورشفوا من نوره، وتدربوا على مواجهة القضايا والمشاكل، وتمرنوا على الاجتهاد والاستنباط، ويضاف إلى ذلك الفطرة السليمة والذهن الصافي، والفكر المستقيم، وفصاحة اللسان الذي نزل القرآن به، كل ذلك كان مؤهلًا لهم لاستلام الخلافة بعد رسول الله ﷺ، وتولي الحكم، وتدبير أمور الدولة، ومواكبة شؤون التشريع والاجتهاد.
فإذا نزلت بهم الوقائع، أو طرأت عليهم الأمور في مجال القضاء والفتيا والاجتهاد والتشريع، رجعوا إلى كتاب الله تعالى، فإن وجدوا فيه الحكم أخذوا به ووقفوا عنده، وإن لم يجدوا لجؤوا إلى السنة، وسألوا من يعرف عن رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا، فإن وجدوا ضالتهم في السنة التزموا بها، وإن لم يجدوا بحثوا ونظروا واجتهدوا واستنبطوا حكم الله تعالى، معتمدين على المؤهلات العلمية والشخصية التي توفرت فيهم، فإن اتفقوا على أمر كان إجماعًا، وهو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي (١)، وإن لم يتفقوا بقي في حيز الاجتهاد والاستنباط، وهو المصدر التشريعي الرابع الذي عرف بالقياس (٢)، وهذا أحد
_________________
(١) = الدارقطني مثل هذه القصة عن عقبة بن عامر (سنن الدارقطني: ٤/ ٢٠٣).
(٢) انظر ما رواه الدارمي (١/ ٥٨) عن ميمون بن مهران أنه قال ذلك عن أبي بكر ﵁.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم: ٦ ص ٧٦٨ ومقدمة ابن خلدون: ص ٤٥٣، أصول التشريع الإسلامي، حسب الله: ص ٥، أصول الفقه، البرديسي: ص ٨، المدخل إلى علم أصول الفقه: ص ٥٤، ٦٤ وما بعدها، الإنصاف في بيان سبب الاختلاف، الدهلوي: ص ١٩، حجة الله البالغة: ١ ص ٢٩٦، الفتح المبين: ١ ص ٩، ١٦.
[ ١ / ٤٤ ]
المبادئ الأساسية في أصول الفقه بتحديد مصادر الاجتهاد وترتيبها.
وكانت الملكة اللغوية والتشريعية عند الصحابة، والذوق الرفيع في تفهم معنى الآيات والأحاديث، والفطرة النقية في ترتيب المصادر، وصفاء الخاطر لمعرفة مقاصد الشريعة، وحدة الذهن في إدراك الأهداف والغايات -كان ذلك مرشدًا لهم في تتبع النصوص واستنباط الأحكام منها، والاجتهاد فيما لم يرد فيه نص (١).
وقد وردت آثار كثيرة تؤكد سلامة الفطرة في الاستنباط، وأنهم كانوا يطبقون القواعد الأصولية بجوهرها، وإن لم ينصوا عليها، ويسيرون على منهج واضح في الاجتهاد والقضاء وبيان الأحكام، كما كانوا ينطقون بالفصحى، ويراعون الإعراب، قبل أن يوضع علم النحو والصرف، ونضرب عدة أمثلة على ذلك:
١ - أرسل رسول الله - ﷺ - معاذ بن جبل إلى اليمن قاضيًا السنة العاشرة للهجرة، وسأله: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله تعالى، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله - ﷺ -، قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ " قال: أجتهد رأي، ولا آلو، أي أقصر، فضرب رسول الله - ﷺ - صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله (٢) ".
_________________
(١) انظر نصًّا طريفًا ودقيقًا لإمام الحرمين في "غياث الأمم ص ٢٩٢": ويقول ابن مسعود: اسألوني عن كتاب الله، فما من آية إلا وأنا أعرف متى نزلت، وأين نزلت، وكيف نزلت؟ (انظر البخاري ٤/ ١٩١٢ تخريج أحاديث البزدوي ص ٢٣٨).
(٢) رواه أَبو داود في سننه: ٢ ص ٢٧٢، وانظر: الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم: ٦ ص ٧٦٦، ورواه الترمذي: ٤ ص ٥٥٦، وروى مثله النسائي: ٨ ص ٣٠٨، وانظر: أدب القضاء، لابن أبي الدم: ص ٧، وبعث رسول الله ﷺ - عليًّا قاضيًا إلى اليمن، وأرشده إلى المنهج السديد في القضاء، وأرسل عمر ﵁ شريحًا =
[ ١ / ٤٥ ]
وهذه القصة تظهر السليقة السليمة في ترتيب المصادر عند الرجوع إليها، فيقدم القرآن الكريم، ثم السنة، ثم الاجتهاد، وهذا ما قعّده علم الأصول فيما بعد.
٢ - أرسل عمر بن الخطاب ﵁ رسالة إلى أبي موسى الأشعري، يقول فيها: الفهمَ الفهمَ فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، فاعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق (١).
هذا الكلام يؤكد القاعدة الأصولية السابقة في ترتيب الفهم والاجتهاد، وأنه لا يصح الاجتهاد فيما ورد به الكتاب والسنة، وهو ما أرساه علماء الأصول بقولهم: "لا اجتهاد في مورد النص" ويؤكد آخر الكلام القواعد الأصولية في القياس ومعرفة العلة لقياس أمر على آخر، يشترك معه فيها.
٣ - عرضت مسألة شاربِ الخمر على الصحابة لمعرفة عقوبة الشارب، فقضى علي ﵁ بثمانين جلدة، قياسًا على عقوبة القذف، وبيَّن وجهة نظره واجتهاده في هذه العقوبة، وقال: إنه إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة (٢).
_________________
(١) = قاضيًا إلى بعض الولايات، وقال: بم تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجمع الناس، وأتحدث إليهم، وأبحث الأمر معهم، ولا آخذ بمفردي برأيي. انظر تاريخ القضاء في الإسلام، لنا ص ٦٤، ١١١، ١٥٧.
(٢) انظر سنن الدارقطني: ص ٥١٢، أعلام الموقعين ١ ص ١٩ وما بعدها، وقد شرحها ابن قيم الجوزية شرحًا مطولًا.
(٣) رواه الدارقطني ومالك والشافعي (نيل الأوطار: ٧ ص ١٥٢، الموطأ: ص ٥٢٦، بدائع المنن: ٢ ص ٣٠٤).
[ ١ / ٤٦ ]
فقد بنى الإمام علي ﵁ اجتهاده على مبدأ أصولي هو سد الذرائع، فاعتبر شرب الخمر وسيلة وذريعة إلى القذف (١) وكل ما أدى إلى الحرام فهو حرام، وأعطاه نفس الحكم الثابت في القرآن الكريم للقاذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
٤ - أراد الصحابة أن يعرفوا عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فاختلفوا في ذلك لقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ [الطلاق: ٤]، فالنص واضح في بيان عدة الحامل وأنها تنتهي بوضع الحمل، ولو بعد أُسبوع، والنص عام يشمل الحامل المطلقة، والحامل المتوفى عنها زوجها، وهذا يتعارض في ظاهره مع قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فهذه الآية تبين أن عدة المتوفى عنها زوجها سواء أكانت حاملًا أم غير حامل، أربعة أشهر وعشر، فاختلف الصحابة، وقال ابن مسعود ﵁: إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع الحمل، أخذًا بالآية الأولى، واستند ﵁ لتأييد رأيه بقوله: أشهد أن سورة النساء الصغرى (الطلاق)، نزلت بعد سورة النساء الكبرى (البقرة)، أي إن النص المتأخر ينسخ، أو يخصص النص المتقدم، وهو مبدأ أصولي مسلم به، بينه علماء الأصول فيما بعد (٢).
_________________
(١) مباحث الحكم، مدكور: ص ٤٢، أصول الفقه أَبو زهرة: ص ١١، أصول الفقه، البرديسي: ص ٧، قارن نيل الأوطار للشوكاني: ٧ ص ١٥٤.
(٢) أخذ جماهير العلماء بمذهب ابن مسعود في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وأخذ به قانون الأحوال الشخصية السوري بالمادة ١٢٣، وخالف الإمام علي وابن عباس وغيرهما في ذلك، وقال ابن مسعود: من شاء لاعنته، لأُنزلت سورة النساء =
[ ١ / ٤٧ ]
وسار الأمر على هذا المنوال في التابعين الذين نهجوا طريق الصحابة، وتتبعوا خطاهم، وتتلمذوا على أيديهم، واستمر اجتهاد التابعين يغطي حاجات المجتمع الكثيرة المتجددة، وتبلورت فيه بعض المبادئ الأصولية الجديدة، فكان سعيد بن المسيب مثلًا يراعي المصلحة في الاستنباط عند فقد النص، بينما كان إبراهيم النخعي يعتمد على القياس، فيستخرج العلة في المسألة التي ورد فيها نص، ويطبقها على الفروع، وينقل حكم النص إلى حكم الفروع (١)، وكان مجاهد رحمه الله تعالى يعتمد على الرأي، ويطلق عنان العقل في البحث والاجتهاد، وفي تفسير القرآن.