قال الآمدي رحمه الله تعالى (١):
اتفقوا على أن ما نقل إلينا من القرآن نقلًا متواترًا، وعلمنا أنه من القرآن، أنه حجة، واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحادًا، كمصحف ابن مسعود وغيره، أنه هل يكون حجة أم لا؟ فنفاه الشافعي، وأثبته أبو حنيفة، وبنى عليه وجوب التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات".
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام، له: ص ١٤٨.
[ ١ / ١٧٩ ]
والمختار إنما هو مذهب الشافعي، وحجته أن النبي ﵊ كان مكلفًا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه، فالراوي له إذا كان واحدًا، إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، وإن لم يذكره على أنه قرآن، فقد تردد بين أن يكون خبرًا عن النبي ﵊، وبين أن يكون ذلك مذهبًا له، فلا يكون حجة، وهذا بخلاف خبر الواحد عن النبي - ﵇ -، وعلى هذا منع من وجوب التتابع في صوم اليمين على أحد قوليه.
فإن قيل: قولكم: إن النبي - ﵇ - كان يجب عليه إلقاء القرآن إلى عدد تقوم الحجة القاطعة بقولهم، لا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ القرآن في زمانه، - ﵇ -، لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وإن جمعه إنما كان بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد، ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة. ولو كان قد ألقاه إلى جماعة تقوم الحجة بقولهم، لما كان كذلك، ولهذا أيضًا اختلفوا في البسملة أنها من القرآن، وأنكر ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن.
سلمنا من وجوب ذلك عن النبي - ﵇ -، وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة بقولهم، ولكن إنما يمتنع السكوت على نقله عن الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بعضهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم، وقد روى ما رواه، فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت، وعند ذلك فيتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن؛ لأن الظاهر من حاله الصدق، ولم يوجد ما يعارضه، غايته أنه غير مجمع على العمل به لعدم تواتره، وإن لم يصرح بكونه قرآنًا، أمكن أن يكون من القرآن وأمكن أن لا يكون، لكونه خبرًا عن
[ ١ / ١٨٠ ]
النبي - ﵇ -، وأمكن أن يكون، لكونه مذهبًا له كما ذكرتموه، وهو حجة بتقدير كونه قرآنًا، وبتقدير كونه خبرًا عن النبي - ﵇ -، وهما احتمالان، وإنهما لا يكون حجة بتقدير كونه مذهبًا له، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين، أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.
سلمنا أنه ليس بقرآن، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبًا له، إلا أن احتمال كونه خبرًا راحج؛ لأن روايته له موهم بالاحتجاج به، ولو كان مذهبًا له لصرح به، نفيًا للتلبيس عن السامع المعتقد كونه حجة، مع الاختلاف في مذهب الصحابي هل هو حجة أم لا؟.
والجواب: أما وجوب إلقائه على عدد تقوم الحجة بقولهم: فذلك مما لم يخالف فيه أحد من المسلمين؛ لأن القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه - ﵇ - قطعًا، ومع عدم بلوغه إلى من لم يشاهده بخبر التواتر، لا يكون حجة قاطعة بالنسبة إليه، فلا يكون حجة عليه في تصديق النبي - ﵇ - ولا يلزم من عدم بلوغ حفاظ القرآن في زمن النبي - ﵇ -، عدد التواتر أن يكون الحفاظ لآحاد آياته كذلك، وأما التوقف في جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد، فلم يكن في كونها قرآنًا، بل في تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها، وفي طولها وقصرها.
وأما ما اختلفت به المصاحف، فما كان من الآحاد فليس من القرآن، وما كان متواترًا، فهو منه، وأما الاختلاف في التسمية إنما كان في وضعها في أول كل سورة، لا في كونها من القرآن.
وأما إنكار ابن مسعود، فلم يكن لإنزال هذه السور على النبي، ﵇، بل لإجرائها مجرى القرآن في حكمه.
قولهم: إذا رواه ابن مسعود لم يتفق الكل على الخطأ، قلنا: وإن
[ ١ / ١٨١ ]
كان كذلك، إلا أن سكوت من سكت، وإن لم يكن ممتنعًا، إلا أنه حرام لوجوب نقله عليه. وعند ذلك فلو قلنا: إن ما نقله ابن مسعود قرآن، لزم ارتكاب من عداه من الصحابة للحرام بالسكوت، ولو قلنا: إنه ليس بقرآن، لم يلزم منه ذلك، لا بالنسبة للراوي ولا بالنسبة إلى من عداه من الساكتين، وبتقدير ارتكاب ابن مسعود للحرام، مع كونه واحدًا أولى من ارتكاب الجماعة له، وعلى هذا، فقد بطل قولهم بظهور صدقه فيما نقله من غير معارض، وتعين نقله بين الخبر والمذهب.
قولهم: حمله على الخبر راجح، لا نسلم ذلك.
قولهم: لو كان مذهبًا لصرح به، نفيًا للتلبيس، قلنا: أجمع المسلمون على أن كل خبر لم يصرح بكونه خبرًا عن النبي - ﵇ - ليس بحجة، وما نحن فيه كذلك، ولا يخفى أن العمل على المذهب، مع أنه مختلف في الاحتجاج به، أولى من حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية، مع أنه ليس بحجة بالاتفاق، وكيف وفيه موافقة النفي الأصلي، وبراءة الذمة من التتابع، بخلاف مقابله، فكان أولى.
[ ١ / ١٨٢ ]