قال الشافعي رحمه الله تعالى (٢): ومن جماع علم كتاب الله: العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب ..
فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا.
وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به، وأقرب من السلامة له، إن شاء الله.
فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًّا وأعجميًّا.
والقرآن يدل على أنه ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب.
ووَجَد قائلُ هذا القول من قَبِلَ ذلك منه، تقليدًا له، وتركًا للمسألة
_________________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: ص ٢٠٣، ٢٠٥، ٢٠٧، وفيه عنوان "اللغة أعظم شعائر الأمم".
(٢) الرسالة، له: ص ٤١.
[ ١ / ١٧٥ ]
له عن حجته، ومسألة غيره ممن خالفه.
وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم.
ولعل من قال: إن في القرآن غيرَ لسان العرب، وقبل ذلك منه: ذهب إلى أن من القرآن خاصًّا يجهل بعضه بعضُ العرب.
ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه.
والعلم به عند العرب كالعلم بالسُّنة عند أهل الفقه: لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء.
فإذا جُمعَ علمُ عامة أهل العلم بها أتي على السنن، وإذا فُرِّقَ علمُ كل واحد منهم: ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيره.
وهم في العلم طبقات: منهم الجامع لأكثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقل مما جمع غيره.
وليس قليل ما ذهب من السنن على من جمع أكثرها: دليلًا على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يطلب عند نظرائه ما ذهب عليه، حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله، بأبي هو وأمي، فيتفرد العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وعوا منها.
وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها: لا يذهب منه شيء عليها، ولا يطلب عند غيرها، ولا يعلمه إلا من قبله عنها، ولا يشركها فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو من أهل لسانها.
وإنما صار غيرهم من غير أهله بتركه، فإذا صار إليه صار من أهله.
وعلم أكثر اللسان في أكثر العرب أعم من علم أكثر السنن في العلماء.
[ ١ / ١٧٦ ]
فإن قال قائل: فقد نجد من العجم من ينطق بالشيء من لسان العرب؟
فذلك يحتمل ما وصفت من تعلمه منهم، فإن لم يكن ممن تعلمه منهم فلا يوجد من ينطق إلا بالقليل منه، ومن نطق بقليل منه فهو تبع للعرب فيه.
ولا ننكر إذا كان اللفظ قيل تعلمًا أو نُطق به موضوعًا: أن يوافق لسانُ المعجم أو بعضها قليلًا من لسان العرب، كما يتفق القليل من ألسنة المعجم المتباينة في أكثر كلامها، مع تنائي ديارها، واختلاف لسانها، وبعد الأواصر بينها وبين من وافقت بعض لسانه منها.
فإن قال قائل: ما الحجة في أن كتاب الله محض بلسان العرب، لا يخلطه فيه غيره؟
فالحجة فيه كتاب الله، قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
فإن قال قائل: فإن الرسل قبل محمَّد كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، وإن محمدًا بعث إلى الناس كافة: فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة، ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه وما أطاقوا منه، ويحتمل أن يكون بعث بألسنتهم: فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة المعجم؟
فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض: فلا بد أن يكون بعضهم تبعًا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع.
وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي. ولا يجوز -والله أعلم- أن يكون أهل لسانه أتباعًا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تَبَع للسانه، وكل أهلِ دينٍ قبله فعليهم اتّباع دينه.
[ ١ / ١٧٧ ]
وقد بين الله ذلك في غير آية من كتابه:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]. وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧].
وقال: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف ١ - ٣].
وقال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ [الزمر: ٢٨].
قال الشافعي: فأقام حجته بأن كتابه عربي، في كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه -جل ثناؤه- كل لسان غير لسان العرب، في آيتين من كتابه:
فقال ﵎: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣].
وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤].
قال الشافعي: وعرفنا نعمه بما خصنا به من مكان فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وكان مما عرف الله نبيه من إنعامه أن قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فخص قومه بالذكر معه بكتابه.
وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] وقال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧] وأم القرى مكة، وهي بلده وبلد
[ ١ / ١٧٨ ]
قومه، فجعلهم في كتابه خاصة، وأدخلهم مع المنذرين عامة، وقضى أن يُنذروا بلسانهم العربي: لسان قومه منهم خاصة.
فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطلق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك.
وما ازداد من العلم باللسان، الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به آخر كتبه: كان خيرًا له، كما عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيت وما أمر بإيتائه، ويتوجه لما وجه له، ويكون تبعًا فيما افترض عليه وندب إليه، لا متبوعًا.
وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها.