سبق الكلام عن إعجاز القرآن الكريم، وأن من وجوه إعجازه فصاحته وبلاغته، وتقضي البلاغة أن تختلف الأساليب في عرض الأحكام، وأن تتنوع الألفاظ للدلالة على مقصوده، سواء أكان الموضوع في العقيدة أم في أخبار المغيبات أم في قصص الأنبياء أم في آيات الأحكام، ولذلك كثرت الأساليب التي تدل على معنى واحد، حتى لا تمله النفوس، فلم يعبر عن الوجوب مثلًا بلفظ يجب فقط، ولا على التحريم بلفظ حرم، بل يعبر عن الوجوب والتحريم بعدة صيغ وأساليب -كما سنبين ذلك في مباحث الواجب والحرام ..
وبناء على ذلك فعلى المتأمل في كتاب الله تعالى لاستنباط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم أن يستعين بمدلولات الألفاظ وما يجري عليها من العرف استعمالها، وما يقترن بها من وعد أو وعيد، ومن مدح أو ذم، ومن ترغيب أو ترهيب.
ويمكن إجمال الأساليب التي تدل على طلب الفعل أو طلب الترك أو التخيير فيه بما يلي (١):
_________________
(١) تاريخ التشريع الإِسلامي، السبكي والسايس والبربري: ص ٥٧، أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص ٥٢، الوسيط في أصول الفقه: ٢٣٢، أصول الفقه، =
[ ١ / ١٧١ ]
١ - كل فعل عظمه الله تعالى في كتابه الكريم، أو مدحه أو أثنى على فاعله أو أحبه أو أقسم به أو أقسم بفاعله، أو قرب فاعله أو وصفه بالاستقامة أو البركة، فهو مطلوب فعله، ويكون حكمه بين الإيجاب وبين الندب بحسب صيغة طلبه من الشارع وترتب العقوبة على تركه أو عدم ترتبها.
٢ - كل فعل طلب الشارع تركه أو ذمه، أو ذم فاعله أو لعنه أو شبه فاعله بالبهائم أو أنه من فعل الشيطان أو أنه يرضي الشيطان، أو يزين له، أو جعله سببًا لعقوبة في الدنيا أو عذاب في الآخرة، أو وصفه بخبث أو رجس أو نجس أو أنه يؤدي إلى الفسق أو يوقع في العداوة والبغضاء، فهو دليل على منع الفعل، ويكون حكمه إما التحريم وإما الكراهة بحسب الصيغة في طلب الترك أو ترتُّب العقوبة على فاعله أو عدم ترتبها.
٣ - أما إذا جاء النص يدل على مجرد الجواز والإحلال أو بنفي الحرج أو الجناح أو الإثم على فاعله فيكون حكمه الإباحة، وسيأتي تفصيل ذلك في فصل الحكم التكليفي.
هذه نظرة عامة في أحكام القرآن الكريم من حيث الظاهر والشكل، أما كيفية استنباط الأحكام من القرآن الكريم وكيفية دلالة آيات الكتاب على الأحكام الفقهية في كل مسألة فذلك منوط في مباحث الدلالات، أو في مباحث الكتاب والسنة.