صنف الإمام الشافعي عدة كتب في الأصول وهي:
١ - الرسالة: وهي أكبر الكتب وأهمها وأشهرها، وقد كتب الإمام الشافعي ﵀ فصول الرسالة في مكة المكرمة بعد تجواله في الأقطار، وعندما قدم بغداد في المرة الثانية طلب منه الفقيه الحافظ عبد الرحمن بن المهدي (٤) أن يضع كتابًا في معاني القرآن والسنة والناسخ
_________________
(١) انظر وصف شخصية الشافعي في كتاب الشيخ محمد أبو زهرة، الشافعي: ص ٣٥، وكتاب مناقب الشافعي، للبيهقي.
(٢) محاضرات الشيخ جاد الرب: ص ٧٣، مناقب الشافعي، الرازي: ص ٢٠.
(٣) المرجع السابق: ص ١، وانظر مباحث الحكم: ص ٤٦، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ١٣.
(٤) عبد الرحمن بن مهدي، الحافظ الإمام، ولد سنة ١٣٥ هـ، ومات سنة ١٩٨ هـ، قال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا. (الرسالة: ص ١١ هامش).
[ ١ / ٥٧ ]
والمنسوخ وحجية الإجماع، وأجاب الشافعي لذلك، وكتب له الرسالة، ولما استقر في مصر أعادها، وأملاها على الربيع بن سليمان، وجعلها مقدمة لكتابه الأم (١).
واستهل الإمام الشافعي الرسالة بموضوع البيان (ص ٢١)، فعرفه وبيَّن أنواعه، وهي: بيان القرآن للقرآن، وبيان السنة للقرآن، وبيان الأحكام بالاجتهاد والقياس، وانتقل رحمه الله تعالى إلى مباحث القرآن والسنة (ص ٥٣) فبين أن بعض نصوص القرآن الكريم عام يراد به العموم، وبعضها عام يدخله الخصوص، وبعضها عام من حيث الظاهر وهو يجمع العام والخاص، وبعضها عام من حيث الظاهر والمراد منه الخاص، وبين المشترك والمجمل والمفصل، ثم أسهب الكلام عن أكثر الموضوعات أهمية منذ عصره حتى اليوم، وهو حجية السنة ووجوب اتباعها (ص ٧٣)، وأن ذلك فرض بنصوص القرآن الكريم، وبيَّن مكانة السنة في التشريع، ومراتب السنة بالنسبة للقرآن الكريم ودرجتها بعد القرآن الكريم، وتطرق بشكل خاص إلى حجية خبر الواحد في إثبات الأحكام الشرعية، ثم تكلم ﵀ عن الناسخ والمنسوخ (ص ١٠٦)، ثم استعرض مصادر التشريع (ص ٤٧١)، فبيَّن حقيقة الإجماع وحجيته، ووضع الضوابط للقياس، وتعرض لرد الاستحسان (٢).
_________________
(١) انظر مقدمة الرسالة، تحقيق محمد أحمد شاكر: ص ١، الإمام الشافعي، الجندي: ص ٢٧٣، أصول الفقه لغير الحنفية: ص ٣٠، مناقب الشافعي، البيهقي: ١ ص ٢٣٠، ٢ ص ٢٤٤، مناقب الشافعي، الرازي: ص ٥٥، ٥٧، الفتح المبين: ١ ص ١٢٧. وكان الإمام الشافعي ﵀ يسمي الرسالة "الكتاب" أو "كتابي"، وسميت الرسالة في عصره لأنه أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي، فغلبت هذه التسمية على الكتاب، انظر: الرسالة ص ١٢.
(٢) تاريخ التشريع الإسلامي، الخضري: ص ١٨٦، مناقب الشافعي، الرازي: ص ٥٧ وما بعدها.
[ ١ / ٥٨ ]
كانت الرسالة المحجة للمخالفين، والموئل للمتنازعين، فوحَّدت شملهم، وخففت من أثر الخلاف بينهم، وساروا على نهج الرسالة في أعمالهم.
قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لأنني رأيت كلام رجل فصيح ناصح، فإني لأكثر الدعاء له (١).
وكانت الرسالة أول كتاب أصولي، فلم تشتمل على جميع بحوث الأصول، شأن كل عمل جديد، يكون في الغالب غير منظم ولا مستوفى، وقد وصلت إلينا الرسالة كاملة، وطبعت عدة طبعات (٢).
قال ابن خلدون ﵀: وكان أول من كتب فيه الشافعي ﵁، فأملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر والنواهي، والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس (٣).
وقال الرازي ﵀: أعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول
_________________
(١) الرسالة: ص ١.
(٢) شرح الرسالة الإمام أبو بكر الصيرفي، محمد بن عبد الله، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ، وأبو الوليد النيسابوري، حسان بن محمد، المتوفى سنة ٣٤٩ هـ، والقفال الشاشي الكبير، محمد بن علي بن إسماعيل، المتوفى سنة ٣٦٥ هـ، وأبو بكر الجوزقي، محمد بن عبد الله الشيباني النيسابوري، المتوفى سنة ٣٨٨ هـ، والجويني أبو محمد، عبد الله بن يوسف والد إمام الحرمين، المتوفى سنة ٤٣٨ هـ، وغيرهم، (انظر كشف الظنون: ١ ص ٥٥٥ وما بعدها). وقد طبعت الرسالة مع كتاب الأم، وطبعت طبعة مستقلة عدة مرات، وأهم طبعة كانت بتحقيق العلامة المرحوم أحمد شاكر، فقد أخرجها بحلة قشيبة مقرونة بتحقيق الأحاديث والموضوعات الأصولية، فجزاه الله خيرًا، وبعد نفاد هذه الطبعة تطاول شخص آخر اسمه: سيد كيلاني، فاقتبس بعض تحقيقات موجزة من تحقيق أحمد شاكر، ونسبها لنفسه، وطبع الرسالة بشكل ممسوخ تقشعر له الأبدان.
(٣) مقدمة ابن خلدون: ص ٤٥٥.
[ ١ / ٥٩ ]
كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض (١).
٢ - كتاب جماع العلم: وقد كتبه الشافعي لإثبات حجية خبر الآحاد، ووجوب العمل به، والرد على من أنكره، وقد أفرده لأهميته وشدة الاختلاف فيه (٢).
٣ - كتاب إبطال الاستحسان: بيَّن فيه الإمام الشافعي معنى الاستحسان، ورد على القائلين به، وأن الواجب اتباع ما شرع الله تعالى، وأن الاستحسان احتكام للعقل والهوى والشهوة، وقال: من استحسن فقد شرَّع (٣).
٤ - كتاب اختلاف الحديث الذي وضعه للجمع بين الأحاديث التي يبدو عليها التعارض، وهو أول كتاب من نوعه في هذا الموضوع (٤).
٥ - كتاب أحكام القرآن، وهو في أصول الفقه، وكذا كتاب القياس للشافعي (٥).
وقد وضع الإمام الشافعي علم الأصول ليكون ميزانًا وضابطًا لمعرفة الخطأ من الصواب في الاجتهاد، والصحيح من غير الصحيح من الآراء، وأن يكون قانونًا يلتزم به المجتهد عند الاستنباط، ويقيس به الأمور، ويوزن فيه أحكام غيره، وقد طبق الإمام الشافعي -﵀
_________________
(١) مناقب الشافعي، له: ص ٥٦.
(٢) هذا الكتاب مطبوع مع كتاب الأم، الجزء السابع ص ٢٥٠، كما أفرده أحمد شاكر بالنشر، ثم حققه الأستاذ محمد أحمد عبد العزيز، ونشرته دار الكتب العلمية، بيروت- ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٤ م.
(٣) هذا الكتاب مطبوع أيضًا مع كتاب الأم: ص ٢٦٧ - ٢٧٧.
(٤) هذا الكتاب مطبوع على هامش الجزء السابع من كتاب الأم.
(٥) انظر مقدمة الرسالة: ص ١٣.
[ ١ / ٦٠ ]
تعالى- هذه القواعد والضوابط والموازين والقوانين في مناقشة آراء الأئمة والفقهاء، فكتب كتابًا في اختلاف الإمام مالك، وكتابًا في اختلاف محمد بن الحسن وأهل الرأي، وكتابًا في الرد على سير الأوزاعي ورد الإمام أبي يوسف عليه (١)، كما التزم الإمام الشافعي في مذهبه بهذه القواعد والضوابط والموازين، وقيد نفسه بها، وسار عليها، فكانت الرسالة هي أصول المذهب الشافعي، وكانت أصولًا نظرية وعملية في أن واحد، ولم تكن دفاعًا أو دليلًا وتسويغًا لفروعه الفقهية (٢).
وكانت الرسالة المنارة الباسقة لدعوة العلماء للتأليف والكتابة في أصول الفقه، وكانت حجر الأساس في بناء صرح هذا العلم، فشمر العلماء والأئمة عن ساعد الجد، وحرروا المصنفات، وأكملوا البناء الذي أقام أساسه الإمام الشافعي، وكان لهم فضل نماء هذا العلم وتحرير مسائله، ووافقوه في أكثرها، وخالفوه في بعضها، وزادوا عليه، فزاد الحنفية الاستحسان والعرف، وزاد المالكية إجماع أهل المدينة، وعمل أهل المدينة، والمصالح المرسلة، والذرائع، وكتب الإمام أحمد في ذلك كتاب العلل، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب طاعة الرسول، وكتب كثير من فقهاء المذاهب الأخرى في أصول الفقه، وتناوله العلماء أيضًا بالبحث والتأليف (٣).