اقتضت الحكمة الإلهية أن تضع أحكامًا تشريعية إضافية مكملة للأحكام التي شرعت لحفظ نوع من أقسام المصالح، وقد شرعت هذه الأحكام المكملة لتحقيق مقاصد الشريعة على أكمل وجه وأتمه وأحسنه، ولتكون أمانًا احتياطيًا، وسياجًا واقيًا للحفاظ على مصالح الناس، دون أن تتعرض لنقص أو خدش أو خطر.
فشرع الإِسلام الصلاة لحفظ الدين، وشرع للصلاة أحكامًا تكميلية كالأذان لإعلانها، وصلاة الجماعة في المسجد، وخطبة الجمعة والعيدين لتعليم الناس أمور دينهم.
وشرع القصاص لحفظ النفوس، وشرع لإكماله التماثل في النفس والعضو والجروح، وحرم الزنا لحفظ العرض، وشرع لإكماله تحريم الخلوة ومنع النظر إلى الأجنبية، وحرم الإِسلام الخمر لحفظ العقل، وشرع لإكماله تحريم القليل منه ولو لم يسكر؛ لأنه يريد أن يسد منافذ الشيطان بشكل يقيني حاسم، كما طلب الشارع التورع عن الشبهات والمحرمات، وأن لا يحوم المسلم حول الحمى حتى لا يقع فيه، وشرع الإشهاد في المعاملات واشترط الكفاءة في الزواج، وأوجب النفقة الزوجية وطلب حسن المعاشرة لتأمين السعادة الكاملة في الأسرة.
وشرع الإِسلام لتكميل الحاجيات الشروط في العقود، ونهى عن الغرر والجهالة وكل ما يؤدي إلى التخاصم والاختلاف، لتتم مصالح الناس الحاجية دون أن تؤدي إلى الخصومات والخلافات والأحقاد
_________________
(١) رواه الإمام مالك وأحمد عن أبي هريرة بلاغًا ومرفوعًا. (انظر الموطأ: ص ٥٦٤، مسند أحمد: ٢ ص ٢٨١).
[ ١ / ١٢١ ]
والأضغان بين الأفراد.
وفي التحسينيات بيَّن الشارع شروط الطهارة، والإحسان بالتعامل، والتحلي السامي بمكارم الأخلاق، وأن يترفع المسلم عن المعاملة بالمثل، كما طلب الشارع الإنفاق من الطيب الحلال، وأن يحسن المسلم الأضحية والعقيقة ليقدمها بين يديه يوم القيامة (١).
ونبادر إلى التنبيه إلى أن هذا التقسيم للأحكام بحسب مقاصد الشريعة ومصالح الناس لا يعني أن الأحكام الضرورية فرض وواجب، وأن الأحكام الحاجية مندوبة وسنة، وأن الأحكام التحسينية مباحة، وإنما شرعت الأحكام لتحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية، وفي كل قسم منها فرائض ومندوبات ومباحات.