الفصل الثاني في بيان مذاهب العلماء في الوصف المناسب المرسل
وقد رأيت أن أحصر مذاهب العلماء في فصل مستقل ثم أفرد كل صاحب مذهب بفصل.
اختلف الأصوليون في الأخذ بالوصف المناسب المرسل، وفي حكاية مذاهب العلماء فيه.
فيرى إمام الحرمين أن مذاهب العلماء فيه ثلاثة:
الأول: منع الأخذ به مطلقًا، والاقتصار على كل معنى له أصل.
الثاني: جواز اتباع وجوه الاستصلاح قربت من موارد النص أو بعدت ما لم يعارضها أصل من كتاب أو سنة أو إجماع.
الثالث: التمسك بالمعنى المناسب، وإن لم يستند إلى أصل معين بشرط قربه من معاني الأصول الثابتة١.
وإلى هذا ذهب الأسنوي غير أنه خالفه في الثالث، فقال فيه: إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية قبلت، وإلا فلا٢.
فعلى هذا تكون المذاهب حسبما ذكرا - مع إضافة مذهب الطوفي الذي ذهب إليه بعض المتأخرين، وهو اعتبار المصلحة مطلقًا سواء عارضت نصًا، أو إجماعًا تكون خمسة وهي:
المذهب الأول: جواز الأخذ به مطلقًا، قربت مناسبته من موارد النص أو بعدت، وهو المشهور عن مالك رحمه الله٣.
_________________
(١) ١ انظر: البرهان ٢/١١١٤. ٢ انظر: نهاية السول مع منهاج الوصول ٣/١٣٦. ٣ انظر: شفاء الغليل ص ٢٠٧، البرهان ١/ ١١١٣، البحر المحيط ٣/٢٤١، وجمع الجوامع مع شرحه وحاشية العطار ٢/٣٢٣، والتقرير والتحبير ٣/١٥٠، والمنهاج مع نهاية السول ٣/١٣٦.
[ ٢٥٩ ]
المذهب الثاني: منع الأخذ به مطلقًا، وبه قال القاضي الباقلاني، واختاره ابن الحاجب، وقال الآمدي إنه الحق، وحكى اتفاق الفقهاء عليه١، غير أن ما ذكر من اتفاق الفقهاء يرد عليه ما نقله إمام الحرمين عن الشافعي ومعظم فقهاء الحنفية، من العمل بالمناسب المرسل إذا كانت مصلحته مشابهة بالمصالح المعتبرة٢.
وما ذكره القرافي ونصه "وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا، وفرقوا بين مسألتين لا يطلبون شاهدًا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب"٣.
وقال الطوفي من الحنابلة: "تقدم المصلحة على النص والإجماع، لأن الإجماع اختلف في حجيته، ولكن المصلحة ما اختلف في حجيتها، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه"٤.
فكيف يسوغ الإجماع مع مخالفة من ذكروا، ولا سيما مخالفة الإمام الشافعي ﵀؟ وسيتضح ذلك إن شاء الله عند عرض الأدلة ومناقشتها.
المذهب الثالث: اعتبار الأخذ به بشرط المناسبة وعدم البعد من شهادة النصوص له، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ونسب أيضًا لإمام الحرمين٥.
المذهب الرابع: اعتباره إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية، وبه قال الغزالي واختاره البيضاوي٦.
_________________
(١) ١ انظر: المنخول ص ٤٥٥، البرهان ٢/١١١٣، المختصر مع شرحه وحاشية السعد ٢/٢٤٢، الأحكام ٤/١٤٠، ونهاية السول مع منهاج العقول ٣/١٣٦. ٢ انظر: البرهان ٢/١١١٤. ٣ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٤. ٤ انظر: أسباب اختلاف الفقهاء ص ٤٦٦. ٥ انظر: البرهان ٢/١١١٤، ونهاية السول مع منهاج العقول ٣/١٣٦. ٦ انظر: المستصفى ١/٢٩٤-٢٩٥، نهاية السول مع منهاج العقول ٣/١٣٦، وجمع الجوامع مع شرحه وحاشية العطار ٢/٣٢٩-٣٣٠.
[ ٢٦٠ ]
المذهب الخامس: اعتباره بشرط المناسبة مطلقًا سواء عارضت المصلحة نصًا أو إجماعًا وبه قال الطوفي١.
هذه هي المذاهب التي ذكرها جمهور الأصوليين، ونسبوها لأصحابها تفصيلًا، غير أن بعض أئمة الأصوليين نسب القول باعتبار المناسب المرسل لجميع المذاهب إجمالًا من غير تفصيل، وقالوا: إن ذلك هو الحق.
وممن صرح بذلك القرافي فإنه قال في التنقيح: "المصلحة المرسلة عند التحقيق عامة في جميع المذاهب"٢.
وقال في شرح التنقيح: "وأما المصلحة المرسلة، فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وجمعوا، وفرقوا بين مسألتين لا يطلبون شاهدًا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطل المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب"٣.
فكلام القرافي ﵀ هنا ظاهر في أن جميع المذاهب التي تأخذ بالقياس اعتبرت المصلحة المرسلة، وظاهر في أنهم لا يتقيدون في الأخذ بها بأي قيد سوى المناسبة.
ونقل الشوكاني٤ عن ابن دقيق العيد٥ أنه قال: "الذي لا شك فيه أن
_________________
(١) ١ انظر: أسباب اختلاف الفقهاء ص ٤٦٦. ٢ انظر: تنقيح الفصول مع شرحه ص ٣٩٣. ٣ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٩٤. ٤ هو: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني، اليمني الفقيه المحدث الأصولي النظار، عرف بالإمام المجتهد، ولد بصنعاء سنة ١١٧٢هـ، كان فريد عصره ونادرة دهره، له مؤلفات في التفسير والحديث وأصول الفقه وغيرها، له في الأصول إرشاد الفحول، توفي سنة ١٢٥٠هـ وقيل ١٢٥٥هـ. انظر: الفتح المبين ٣/١٤٤ فما بعدها. ٥ هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري أبو الفتح، تقي الدين المالكي ثم الشافعي، كان للعلوم جامعًا، وفي الفنون بارعًا حسن الاستنباط للمعاني من الكتاب والسنة، له مؤلفات منها أحكام الأحكام في الحديث والإلمام في أحاديث الأحكام، وشرح مقدمة الطرزي في أصول الفقه وغيرها، ولد سنة (٦٢٥هـ) وتوفي سنة (٧٠٢هـ) . انظر: شذرات الذهب ٦/ ٥، ٦، والأعلام للزركلي ٧/١٧٣-١٧٤.
[ ٢٦١ ]
لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح للاستعمال لها على غيرهما"١.
فقد أثبت أن الجميع يقولون بالمصلحة المرسلة، وإن تفاوتوا في الأخذ بها، وهذا يخالف ما أطبق عليه الأصوليون من نسبة العمل بالناسب المرسل لمالك ﵀، واختصاصه بالاعتماد على الأخذ به حتى عرف به، وتصور أن كل قائل به إنما يكون ناطقًا باسم مالك لشدة صلته به.
ولعل في استعراض أدلة المذاهب ومناقشتها توضيحًا لمدى أخذ العلماء بالمناسب المرسل، وعدم اختصاص المالكية بالقول به دون غيرهم.
لذا رأيت أن أخصص أدلة كل صاحب مذهب بفصل، لاستعراض فيه أدلته ومناقشتها، وبيان مدى أخذه به فإلى ذلك.
_________________
(١) ١ انظر: إرشاد الفحول ص ٢٤٢.
[ ٢٦٢ ]