المبحث الخامس
وأما الآمدي، فإن طريقته تتلخص كما قال السعد في أن: "المناسب إن كان معتبرًا بنص أو إجماع فهو المؤثر، وإلا فإن كان معتبرًا بترتيب الحكم على وفقه فتسعة أقسام: لأنه إما أن يعتبر خصوص الوصف أو عمومه، أو خصوصه وعمومه معًا في عين الحكم، أو في جنسه، أو في عينه وجنسه جميعًا.
وإن لم يكن معتبرًا، فإما أن يظهر إلغاؤه، أو لا فهذه جملة الأقسام، إلا أن الواقع منها في الشرع لا يزيد على خمسة.
[ ٢٢٧ ]
الأول: ما اعتبر خصوص الوصف في خصوص الحكم، وعمومه في عمومه في محل آخر ويسمى هذا بالملائم.
مثاله قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع القتل العمد العدوان، وقد ظهر تأثير عينه في عين الحكم، وهو وجوب القتل في المحدد، وتأثير جنسه وهو الجناية على المحل المقصود بالقود في جنس القتل من حيث القصاص في الأيدي.
الثاني: ما اعتبر الخصوص في الخصوص فقط، لكن لا بنص ولا إجماع، ويسمى بالمناسب الغريب كاعتبار الإسكار في تحريم الخمر على تقدير عدم النص، ولم يظهر اعتبار عينه في جنس الحكم، ولا جنسه في عينه، ولا جنسه في جنسه.
الثالث: ما اعتبر جنسه في جنسه فقط، ولا نص ولا إجماع، وهذا أيضًاَ من جنس المناسب الغريب إلا أنه دون ما سبق، وذلك كاعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في جنس التخفيف المتناول لإسقاط الصلاة، وإسقاط الركعتين فقط.
الرابع: ما لم يثبت اعتباره، ولا إلغاؤه، ويسمى المناسب المرسل كما في تترس الكفار بالمسلمين.
الخامس: المناسب الذي لم يثبت اعتباره، وثبت إلغاؤه كما في إيجاب شهرين متتابعين على الملك في كفارة الصوم١.
وواضح مما تقدم أن طريقة الآمدي قريبة من طريقة الإمام إن لم تكن مثلها، وإذا كانت تخالفها في تفسير المؤثر، لأن المؤثر عند الإمام كما تقدم هو تأثير نوع الوصف في جنس الحكم كامتزاج النسبين في تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب في الميراث، وفي ولاية النكاح، وكالبلوغ فإنه يؤثر في رفع الحجر عن المال، فيؤثر في رفعه عن النكاح دون الثيوبة، فإنها لا تؤثر في رفع الحجر عن النكاح.
_________________
(١) ١ انظر: حاشية السعد على العضد ٢/٢٤٤.
[ ٢٢٨ ]
وأما الآمدي، فالمؤثر عنده هو ما اعتبر فيه نوع الوصف في نوع الحكم بنص أو إجماع، كما عند ابن الحاجب، وسيأتي لهذا زيادة بيان.
هل لاختلاف عبارات الأصوليين في التعبير هنا ثمرة؟
اختلفت عبارات الأصوليين في حكاية الاعتبار حيث أن بعضهم يعبر باعتبار خصوص الوصف في خصوص الحكم، والبعض الآخر يعبر باعتبار النوع في النوع، والبعض الآخر يعبر باعتبار العين في العين.
والتعبير باعتبار النوع في النوع أولى "لئلا يتوهم أن المراد هو الوصف والحكم مع خصوصية المحل، كالسكر المخصوص بالخمر والحرمة المخصوصة بها فيتوهم أن للخصوصية مدخلًا في العلية"١.
فلم يترتب على اختلافهم في التعبير عن هذه الأقسام ثمرة.
قال التاج السبكي: "والأمر فيها قريب لكونه أمرًا اصطلاحيًا"٢.
ثم المراد بالاعتبار إيراد الحكم على وفق الوصف "وليس المراد به أن ينص الشارع على علية الوصف، أو يومئ إليها، أو يحصل عليها الإجماع، وإلا لم تكن العلية مستفادة من طريق المناسبة، بل بالنص أو الإجماع"٣.
وجه الاتفاق، والاختلاف بين هذه الطرق:
وحيث إن هذه الطرق مختلفة بحسب الظاهر، وتحتاج إلى بيان وجه الوفاق بينها، وإلى تحرير مواضع الخلاف والوفاق في الأوصاف المناسبة خصوصًا ما يتعلق بالإخالة بين الحنفية والشافعية، لذا فإنني استعرض إيضاح ذلك فيما يلي:
الأول: "إذا نظرت إلى هذه الطرق وجدتها تنحصر في طريقتين:
الأولى: طريقة ابن الحاجب، ومن تبعه كابن السبكي في جمع الجوامع.
_________________
(١) ١ انظر: التلويح على التوضيح ٢/٧٢. ٢ انظر: تكملة الإبهاج شرح المنهاج ٢/٨٥. ٣ انظر: نبراس العقول ١/٣١٣.
[ ٢٢٩ ]
الثانية: طريقة الإمام الرازي، ومن تبعه كالبيضاوي، وطريقة الآمدي قريبة من طريقة الإمام، بل هي عينها، كما سيتضح.
أما طريقة ابن الحاجي، ومن تبعه فجهة النظر فيها قصد استيفاء أقسام الوصف المناسب، لا فرق بين أن تكون عليته مستفادة من طريق المناسبة فقط، أو مع النص والإجماع كما سبق التنبيه عليه غير أنه لم يتعرض لاعتبار النوع في الجنس، أو الجنس في الجنس، أو في النوع بالترتيب لا بالنص والإجماع، اللهم إلا أن يقال: أن هذه الصور إن كانت مع اعتبار النوع في النوع بالترتيب فهي داخلة في غريب المناسب عنده، وإن كانت من غير اعتباره فداخلة في غريب المرسل، على أن اعتبار الجنس في النوع والعكس بالترتيب لم يقع كل منهما في الشرع كما قاله الآمدي، وسيأتي التنبيه على ذلك.
وأما طريقة الإمام ومن تبعه كالبيضاوي في المنهاج فتحتمل وجهين:
الأول: وهو خلاف الظاهر من كلامهم وكلام الشراح أن يكون المراد بالاعتبار إيراد الحكم على وفق الوصف في اعتبار العين في العين فقط، وأما اعتبار العين في الجنس، أو الجنس في العين، أو الجنس في الجنس فبالنص أو الإجماع أي مع اعتبار العين في العين بالترتيب في الصور الثلاثة، وعلى ذلك يكون تقسيمهم مشتملًا على غريب المناسب، وأقسام الملائم الثلاثة التي ذكرها ابن الحاجب، فترجع طريقتهم إلى طريقته، لأنهم لم يتركوا مما ذكره سوى المؤثر عنده.
وتكون طريقة الآمدي مخالفة لما ذكروه، كما أنها مخالفة لما ذكره ابن الحاجب، لكن في تطبيق عض أمثلتهم على ذلك نظر.
الوجه الثاني: وهو الظاهر أن يكون المراد بالاعتبار في الصور الأربعة إيراد الأحكام على وفق الوصف لا النص أو الإيماء أو الإجماع على العلية، وعلى ذلك يكون كلامهم بقطع النظر عن ذكر المرسل قاصرًا على الغريب مما ذكره ابن الحاجب، وعلى ما في حكمه الذي تركه، ونبهناك عليه قريبًا، ولم يكن كلامهم
[ ٢٣٠ ]
شاملًا لا للمؤثر عند ابن الحاجب، ولا للملائم، وتكون وجهة نظرهم في هذا التقسيم:
أولًا: الاقتصار على المناسب الذي تكون مناسبته طريقًا دالة على العلية وحدها من غير نص، ولا إجماع، وهو الذي يحتاج لإقامة الأدلة على وجه كون مناسبته مفيدة للعلية.
وبعبارة أخرى الاقتصار على موضع الخلاف بين الشافعية والحنفية، لأن ما عدا ما ذكر متفق عليه كما سيتضح.
وثانيًا: ملاحظة أن اعتبار الشارع للوصف المناسب بإيراد الحكم على وفقه إما أن يكون باعتبار خصوصه في خصوص الحكم، أو في عمومه أو عمومه في خصوصه أو عمومه، وبذلك تتحقق الأقسام الأربعة.
ثم إن طريقتهم على الوجه الثاني، تكون موافقة لطريقة الآمدي، غير أن تقسيمهم هذا قد زادوا فيه على ما ذكره الآمدي من الصور الواقعة في الشرع صورتين: وهما اعتبار الخصوص في العموم والعكس، ونقصوا فيه عنه صورة واحدة - وإن ذكروها في موضع آخر - وهي اعتبار الخصوص في الخصوص والعموم في العموم معًا.
ولا يرد على الآمدي - حيث اعتبر هاتين الصورتين اللتين زادهما الإمام وأتباعه غير واقعتين في الشرع - ما ذكره من التمثيل للأول بامتزاج النسبين في التقديم، وللثانية بالمشقة في إسقاط قضاء الصلاة، لأن المثال الأول تقديري لما علمت من الإجماع على علية امتزاج النسبين للتقديم في الميراث، والمثال الثاني قد جعله الآمدي من اعتبار العموم في العموم كما سبق في عبارته.
وبقي الكلام على الصورة التي ذكرها الآمدي وهي اعتبار الخصوص في الخصوص والعموم في العموم معًا، ولم يذكرها الإمام وأتباعه في هذا التقسيم ولكن ذكروها بعد ذلك، ومثلوا لها جميعًا بالقتل بالمثقل قياسًا على القتل بالمحدد، وسموا هذه الصورة بالملائم، وقرروا جميعًا أنه متفق على قبوله بين القائسين.
[ ٢٣١ ]
فإن هذه الصورة مشكلة، لأن ابن الحاجب أورد هذا المثال لأحد أقسام الملائم على مذهبه، وهو ما اعتبر عين الوصف في عين الحكم بالترتيب، واعتبر جنسه في جنسه بالنص، فإن أراد الإمام والآمدي وأتباعهما باعتبار الجنس في الجنس في هذه الصورة الاعتبار بالترتيب لا بالنص يكون الملائم عندهم مخالفًا للملائم عند ابن الحاجب من كل وجه، ويكون الاتفاق في التمثيل بالمثال السابق ناشئًاَ عن اختلاف النظر فيه، وعلى ذلك يرد على حكايتهم الاتفاق على قبوله بين القائلين ما سيأتي عن أبي زيد وأتباعه من أنه لا يقبل الوصف المناسب من غير اعتبار الشارع له بالنص أو الإجماع، ولو اعتبر جنسه في جنس الحكم.
وإن أرادوا باعتبار الجنس في الجنس في هذه الصورة الاعتبار بالنص يكون الملائم عندهم أخص من الملائم عند ابن الحاجب، ويرد عليهم أنه لا وجه للاقتصار على هذه الصورة وترك الصورتين الباقيتين مما ذكره ابن الحاجب.
فإن أجابوا بأن هاتين الصورتين لم تقعا في الشرع وردت عليهم الأمثلة التي ذكرها ابن الحاجب وغيره، اللهم إلا أن يقال: أنها ترجع إلى المؤثر كما قاله الكمال والله أعلم".١
_________________
(١) ١ انظر: نبراس العقول ١/٣١٤-٣١٦.
[ ٢٣٢ ]