المبحث الرابع
وأما الإمام فقد قال: "المناسب إما أن يعلم أن الشارع اعتبره، أو يعلم أنه ألغاه، أو لا يعلم واحد منهما.
أما القسم الأول فهو على أقسام أربعة: لأنه إما أن يكون نوعه معتبرًا في نوع ذلك الحكم، أو في جنسه، أو بكون جنسه معتبرًا في نوع ذلك الحكم، أو في جنسه.
مثال تأثير النوع في النوع: أنه إذا ثبت أن حقيقة السكر اقتضت حقيقة التحريم كان النبيذ ملحقًا بالخمر، لأنه لا تفاوت بين العلتين، وبين الحكمين إلا اختلاف المحلين، واختلاف المحل لا يقتضي ظاهرًا اختلاف الحالين.
[ ٢٢٤ ]
عليه التقدم في النكاح، والأخوة من الأب والأم نوع واحد في الموضعين، إلا أن ولاية النكاح ليست مثل ولاية الإرث، لكن بينهما مجانسة في الحقيقة.
ولا شك أن هذا القسم دون القسم الأول في الظهور؛ لأن المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلين أقل من المفارقة بين نوعين مختلفين.
مثال تأثير الجنس في النوع: إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض تعليلًا بالمشقة، فإنه ظهر تأثير جنس المشقة في إسقاط قضاء الصلاة، وذلك مثل تأثير المشقة في السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين.
مثال تأثير الجنس في الجنس: تعليل الأحكام بالحِكَمِ التي لا تشهد لها أصول معينة مثل أن عليًا ﵁ أقام الشرب مقام القذف إقامة لمظنة الشيء مقامه قياسًا على إقامة الخلوة بالمرأة مقام وطئها في الحرمة.
ثم اعلم أن للجنس مراتب، فأعم أوصاف الأحكام كونه حكمًا، ثم ينقسم الحكم إلى: تحريم، وإيجاب، وندب، وكراهة، والواجب ينقسم إلى: عبادة، وغير عبادة، والعبادة تنقسم إلى: صلاة وغيرها، والصلاة تنقسم إلى: فرض ونفل، فما ظهر تأثيره في الفرض أخص مما ظهر تأثيره في الصلاة، وما ظهر تأثيره في الصلاة أخص مما ظهر تأثيره في العبادة.
وكذا في جانب الوصف أعم أوصافه كونه وصفًا تناط به الأحكام، حتى تدخل فيه الأوصاف المناسبة وغير المناسبة، وأخص من المناسب الضروري، وأخص منه ما هو كذلك في حفظ النفوس.
وبالجملة فالأوصاف إنما يلتفت إليها إذا ظن التفات الشارع إليها، فكل ما كان التفات الشارع إليه أكثر، كان ظن كونه معتبرًا أقوى، وكل ما كان الوصف والحكم أخص، كان ظن كون ذلك الوصف معتبرًا في حق ذلك الحكم آكد، فيكون لا محالة مقدمًا على ما يكون أعم منه.
[ ٢٢٥ ]
وأما المناسب الذي علم أن الشرع ألغاه، فهو غير معتبر أصلًا.
وأما المناسب الذي لا يعلم أن الشرع ألغاه، أو اعتبره، فذلك إنما يكون بحسب أوصاف أخص من كونه وصفًا مصلحيًا، وإلا فعموم كونه وصفًا مصلحيًا مشهود له بالاعتبار، وهذا القسم هو المسمى بالمصالح المرسلة.
واعلم أن كل واحد من هذه الأقسام الأربعة مع كثرة مراتب العموم والخصوص، قد يقع فيه كل واحد من الأقسام الخمسة المذكورة في التقسيم الأول، ويحصل هناك أقسام كثيرة جدًا، ويقع فيما بينها المعارضات والترجيحات، ولا يمكن ضبط القوة فيها لكثرتها، والله ﷾ هو العالم بحقائقها".
ثم ذكر أن الوصف باعتبار الملاءمة وشهادة الأصل على أربعة أقسام:
أحدها: "ملائم شهد له أصل معين، وهو الذي أثر نوع الوصف في نوع الحكم، وأثر جنسه في جنسه، وهذا متفق على قبوله بين القائسين، وهو كقياس المثقل على الجارح في وجوب القصاص، فخصوص كونه قتلًا معتبر في خصوص كونه قصاصًا، وعموم جنس الجناية معتبر في عموم جنس العقوبة.
وثانيها: مناسب لا يلائم، ولا يشهد له أصل، فهذا مردود بإجماع، ومثاله: حرمان القاتل من الميراث معارضة له بنقيض قصده، لو قدرنا أنه لم يرد فيه نص.
وثالثها: مناسب ملائم لا يشهد له أصل معين بالاعتبار، يعني اعتبر جنسه في جنسه، لكن لم يوجد له أصل يدل على اعتبار نوعه في نوعه، وهذا هو المصالح المرسلة.
ورابعها: مناسب يشهد له أصل معين، ولكنه غير ملائم، أي شهد نوعه لنوعه، لكن لم يشهد جنسه لجنسه كما في الإسكار، فإنه يناسب تحريم تناول المسكر صيانة للعقل، وقد شهد لهذا المعنى الخمر باعتباره، لكنه لم يشهد له سائر
[ ٢٢٦ ]
مثال تأثير النوع في الجنس: أن الأخوة من الأب والأم تقتضي التقدم في الميراث، فيقاس
الأصول، وهذا هو المسمى بالمناسب الغريب"١.
ثم ذكر قبل الشبه المؤثر، فقال: "هو أن يكون الوصف مؤثرًا في جنس الحكم في الأصول، دون وصف آخر، فيكون أولى بأن يكون علة من الوصف الذي لا يؤثر في جنس ذلك الحكم، ولا في عينه، وذلك كالبلوغ الذي يؤثر في رفع الحجر عن المال، فيؤثر في رفع الحجر عن النكاح دون الثيوبة؛ لأنها لا تؤثر في جنس هذا الحكم، وهو رفع الحجر.
وكقولهم: إذا قدم الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب في الميراث، فينبغي أن يقدم عليه في ولاية النكاح"٢.
ولم يخالفه من اتباعه فيما ذهب إليه غير البيضاوي الذي جعل المؤثر هو ما أثر جنسه في نوع الحكم كالمشقة في سقوط قضاء الصلاة.
وكذلك الحاصل فقد ذكر الأسنوي أنه جعل المؤثر هو ما أثر جنسه في جنس الحكم، وهذا خلاف ما مر آنفًا عن الإمام٣.
_________________
(١) ١ انظر: المحصول ص ٣٠٦، ٣٠٧ -خ-. ٢ انظر: المحصول ص ٣١٥ -خ-. ٣ انظر: نهاية السول مع منهاج العقول ٣/٦٠.
[ ٢٢٧ ]