الحمد لله الكريم المنان المتفضل على عباده بعظيم الآلاء، وجزيل الإحسان جلت نعمه عن العد والإحصاء ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تحْصُوهَا﴾ ١، فكان من أعظم نعمه على عباده أن هدى المؤمنين به إلى الإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، من ختمت برسالته الرسالات، وعلى آله وصحبه الذين عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل عليه، فكانوا سادة الدنيا، وأئمة الهدى.
وبعد: فلما خص الله سبحانه محمدًا ﷺ بأن جعل رسالته خاتمة الشرائع، جعلها صالحة لكل زمان ومكان، مبنية على نصوص، وأصول وقواعد، لطفًا بالعباد، وتيسيرًا لهم في معرفة الحلال والحرام، شاملة لكل ما جد من الوقائع التي لم تكن، فيتعرف العلماء حكمها بطريق الاجتهاد الوافي بتفاصيل أحكام الوقائع، لأن نصوص الكتاب والسنة محصورة متناهية، ومواقع الإجماع معدودة منقولة فهي متناهية أيضًا، والوقائع لا نهاية لها، وهي لا تخلو عن حكم الله تعالى متلقى عن قاعدة من قواعد الشرع، والأصل الذي يفي بحكم جميع الوقائع وهو القياس، وما يتعلق به من وجوه النظر، والاستدلال، والقياس إنما يكون بالعلة الجامعة بين الأصل والفرع، والعلة لها طرق تعرفها، فكان من المناسب أن أختار أهم تلك الطرق التي بها يعرف حكم الوقائع المستجدة موضوعًا لرسالتي، فاخترت أن يكون موضوعها هو: "الوصف المناسب لشرع الحكم".
سبب اختياري لهذا الموضوع:
أما سبب اختياري لهذا الموضوع، فهو أنني لما أنجزت دراسة مرحلة الماجستير بقسم الدراسات العليا الإسلامية بكلية الشريعة بمكة المكرمة، فرع جامعة الملك عبد العزيز آنذاك، كان علي أن أختار موضوعًا أكتب فيه لأنال درجة "الدكتوراه" في أصول الفقه.
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، آية: ٣٤.
[ ٥ ]
وحيث أن القياس من أهم أدلة الأحكام الشرعية لسعته وشموله لكل الوقائع التي تجد، وأن القياس كما أسلفت إنما يكون بالعلة الجامعة بين الأصل والفرع، والعلة وإن كانت لها طرق، فأهم طرقها وأشملها للأحكام إنما هو الوصف المناسب لشرع الحكم، والموضوع وإن كان صعبًا في ذاته، لسعته وترامي أطرافه، والبحث فيه يتطلب من الباحث أن يكون متعمقًا في الأصول، عالمًا بجوانب الاتفاق والاختلاف في القياس، والعلة وطرقها، ومقاصد الشرع، فإن رغبتي في دراسة الفن دفعتني إلى الكتابة فيه، لا سيما وقد رأيت من مشايخي التشجيع على اختياري للموضوع، مما شجعني على المضي فيه.
وكيف لا، والموضوع عظيم القدر، إذ به يعرف حكم الله تعالى فيما لم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة ولا نقل إجماع.
لذا رأيت صلاحية الموضوع للبحث، وشرعت فيه راجيًا من الله أن يعينني على إنجازه، وأن يجعله عملًا صالحًا، وأن يهديني سواء السبيل، فهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٦ ]
خطة البحث
وقد سلكت طريقة في البحث رأيت أنها توصل إلى الغاية التي أردت، وهي أنني أستعرض آراء العلماء وأدلتهم، وما ورد عليها من اعتراضات وإجابات عن الاعتراضات مع مناقشتها، وترجيح ما ظهر لي رجحانه بالدليل كلما رأيت ذلك مناسبًا، وربما تركت الترجيح إذا لم يظهر لي وجه الرجحان.
وقسمت البحث إلى: تمهيد وثلاثة أبواب، وخاتمة.
أما التمهيد: فهو يشتمل على الفصول الآتية:
الفصل الأول: في تعريف القياس، وبيان المراد بالأصل عند الأصوليين.
الفصل الثاني: في تعريف العلة، وأقوال العلماء في تعليل أفعال الله تعالى.
الفصل الثالث: في شروط العلة، ويتضمن البحوث الآتية:
الأول: في الشروط المتفق عليها، بأن تكون وصفًا ظاهرًا، منضبطًا، مناسبًاَ.
الثاني: في الشروط المختلف فيها، وهي:
تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي.
التعليل بالوصف المركب.
التعليل بالحكمة المجردة عن الضابط.
تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي.
التعليل بالعلة القاصرة.
تعليل الحكم بعلتين فأكثر.
تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة.
تعليل حكم الأصل بعلة متأخرة عنه.
[ ٧ ]
عود العلة على الأصل بالإبطال.
ويشترط في العلة أن لا تعود على الأصل بالإبطال.
شروط أخرى اشترطها البعض.
الفصل الرابع: فيما قبل الوصف المناسب من مسالك العلة، وتحته مباحث وهي:
الأول: تعريف المسالك، وبيان الطريقة التي اخترت أن أسلكها.
الثاني: مبحث النص، وألفاظه.
الثالث: مبحث الظاهر، وألفاظه.
الرابع: مبحث الإيماء تعريفه، وأنواعه.
تنبيه: ألفت نظر القارئ الكريم إلى أنني اضطررت إلى تأخير تعريف المناسب عن المناسبة الآتية، لكونه مشتقًا منها، فأخرته إلى الباب الأول، وهو:
الباب الأول: وهو في المناسبة، وتعريف المناسب، وفيه الفصول الآتية:
الفصل الأول: في تعريف المناسبة.
الفصل الثاني: في إقامة الدليل على اعتبارها.
الفصل الثالث: في تعريف المناسب.
الباب الثاني: في تقسيمات المناسب، وفيه الفصول الآتية:
الفصل الأول: في تقسيمه باعتبار ذات المناسبة، وهو ينقسم إلى: حقيقي، وإقناعي.
والحقيقي ينقسم إلى: ديني، ودنيوي.
والدنيوي ينقسم إلى: ضروري، وحاجي، وتحسيني.
الفصل الثاني: في تقسيمه باعتبار إفضائه إلى المقصود، وذلك بأن يكون حصول المقصود يقينًا، أو ظنًا، أو يتساوى الحصول
[ ١١ ]
وعدمه، أو يكون الحصول أرجح، أو يكون فائتًا بالكلية.
الفصل الثالث: في تقسيمه بالنظر إلى اعتبار الشارع له، وعدم اعتباره له.
الباب الثالث: في المناسب والمرسل، وفيه الفصول الآتية:
الفصل الأول: في تعريفه، وبيان محل الخلاف والوفاق فيه.
الفصل الثاني: في بيان مذاهب العلماء فيه.
الفصل الثالث: في بيان أدلة الإمام مالك فيما ذهب إليه من القول بالمناسب المرسل، ومناقشتها.
الفصل الرابع: في بيان رأي الإمام أحمد في الأخذ به.
الفصل الخامس: في ذكر أدلة مذهب القاضي، ومن وافقه، ومناقشتها.
الفصل السادس: في أدلة مذهب الإمام الشافعي، وبيان موقفه من الأخذ بالمناسب المرسل.
الفصل السابع: في بيان رأي الإمام أبي حنيفة وأتباعه في اعتبار المرسل.
الفصل الثامن: في رأي الغزالي، وبيان وجه ما ذهب إليه من القول بالمرسل إذا كانت المصلحة ضرورية، قطعية، كلية.
الفصل التاسع: في أدلة مذهب الطوفي فيما ذهب إليه من تقديم المصلحة على النص والإجماع، ومناقشتها.
فصل: هل تنخرم مناسبة الوصف لوجود مفسدة مساوية لها، أو راجحة، أو لا تنخرم؟
خاتمة: في بعض نتائج البحث التي توصلت إليها.
هذا وإنني قد رأيت أن أتخذ طريقة أرمز بها للتحويل على المراجع اختصارًا، وهي إنني في التحويل على المرجع لبيان الجزء والصفحة أستعمل الرمز الآتي وهو: "الأحكام للآمدي ٣/١٨٦" مثلًاَ، للاختصار، وإذا كنت نقلت عن الكتاب مخطوطًا ومطبوعًا، أشير للمخطوط بحرف "خ"، والمطبوع بحرف "ط"،
[ ١٢ ]
وإذا كان نقلي عن المطبوع فقط، فقد رأيت أن أؤخر بيان الطبعة إلى ذكره في المراجع.
هذه هي عناصر البحث التي بحثتها، وطريقة البحث التي سلكتها فأرجو أن أكون قد وفقت، وساهمت بعملي هذا في ناحية من نواحي شريعتنا الغراء، فإن كنت قد وفقت فمن الله، وإن كنت قد أخطأت فمني، وأرجو الله المغفرة والتوفيق لصالح العمل، وأن يجعل عملي هذا وسيلة إلى مرضاته، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[ ١٣ ]