استثناء الصك، وعن محمد الإطلاق في الثلاثة، وأجاز أبو يوسف للقاضي العمل به إذا كان تحت يده، للأمن عن التزوير لتطرقه فيه عادة، وفي الحديث إذا كان خطا معروفا لا يخاف تغييره عادة، ويد غيره من الأمناء كيده، ولم يجز في الصك إلا إذا كان في يد الشاهد، وأجاز محمد عند التيقن أنه خطه مطلقا. وما يجده بخط أبيه أو معروف فيقول وجدت بخط أبي أو فلان ولا يزيد. وخط المجهول مفردا باطل، ومضافا إلى جماعة لا يتوهم في مثله التزوير كالمعروف.
الرابع:
فيما اختلف في رده به نقل الحديث بالمعنى. الأكثرون: إن كان عارفا بمواقع الألفاظ واختلافها جاز، والأولى الأداء بصورته إن أمكن، وإلا لم
[ ١ / ٣٦٠ ]
يجز، وعن ابن سيرين وأبي بكر الرازي رحمهما الله وجوب نقل اللفظ، وقيل: إن كان بلفظ مرادف جاز، وإلا فلا، وفخر الإسلام: إن كان محكما جاز للعالم باللغة نقله، أو محتملا للمجاز أو المخصوص فللمجتهد، ولا رخصة في غيرهما من مشكل أو مشترك ومتشابه لعدم الفهم. والافتقار إلى تأويل ليس بحجة على الغير. لنا رواية ابن مسعود وغيره قال ﵇ كذا أو نحوه. ونقلوا أحاديث في وقائع متحدة بألفاظ مختلفة من غير نكير، والاتفاق على التفسير بالأعجمية، فالعربية أولى، وكان ﵇ يبعث الرسل إلى الأطراف ولا يقيدهم بلفظ، ولأنه في السنة غير مقصود، فإذا أتى بالمعنى جاز. قالوا: نضر الله امرأ الحديث،
[ ١ / ٣٦١ ]
قلنا: نقول بالموجب فإنه إذا أتى بالمعنى على وجهه فقد أداه كما سمعه ولذلك يقول المترجم: أديته كما سمعته، قالوا: اختلف أهل العربية في معاني اللفظ الواحد، فيتنبه هذا لما يغفل عنه غيره فقد يحمله الناقل على فهمه ولعله لا يكون مرادا، ثم إذا تكرر النقل والحال الحال [؟] أدى إلى الإخلال بالكلية. قلنا: الكلام في تأدية المعنى على وجهه حتى لو ظهر زيادة أو نقصان امتنع. قالوا: لو جاز لاطرد في القرآن والأذان والتشهد. قلنا: اللفظ مقصود للإعجاز، والأذان والتشهد متعبد بكلماتهما.
مسألة:
إذا أنكر الأصل رواية الفرع فإن كان تكذيبا لم يعمل به اتفاقا، فإن أحدهما كاذب فيكون قادحا، لكنهما على عدالتهما لأنهما أصل فلا تبطل بالشك، وإن لم يكن تكذيبا فالأكثر: يعمل به، وهو قول محمد، خلافا لأبي حنيفة
[ ١ / ٣٦٢ ]
وأبي يوسف، قيل: تخريجا من اختلافهم في القاضي تقوم البينة بحكمه ولا يذكر، قال أبو يوسف: لا تقبل خلافا لمحمد. القائل عدل غير مكذب فوجب العمل بروايته كما لو جُنَّ الأصل أو مات، واستدل بحديث ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنه ﷺ قضى بالشاهد واليمين، ثم نسيه سهيل فكان يقول حدثني ربيعة عني، ولم ينكر، قلنا صحيح ولكن أين وجوب العمل أو جوازه. المانع: قال عمار لعمر ﵁: أما نذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت فصليت، فقال ﵇: إنما كان يكفيك ضربتان، فلم يقبله عمر ﵁ لما كان ناسيا له. ويقال ليست مسألتنا فإن عمار لم يكن راويا عن عمر ﵁، ولعل عدم العمل لشكه، واستدل بالقياس على الشهادة حيث لا يعمل بالفرع عند نسيان الأصل. وليس بسديد، فإن باب الشهادة أضيق ولأن صحة شهادة الفرع متوقفة على تحمل الأصل فتبطل بإنكاره.
[ ١ / ٣٦٣ ]
مسألة:
إذا انفرد العدل بزيادة لا تخالف، كما إذا نقل أنه ﵇ دخل البيت، فزاد وصلى، فإن اختلف المجلس قبلت باتفاق، وإن اتحد وكان غيره قد انتهى في العدد إلى حد لا يتصور غفلتهم عن مثل ما زاد لم تقبل وإن لم ينته فالجمهور على القبول خلافا لبعض المحدثين وأحمد في رواية. لنا: عدل جازم فوجب العمل بروايته، وعدم نقل الغير يجوز أن يكون لعروض شاغل أو اشتغال أو سهو أو نسيان فلم يقدح. قالوا: لو عمل به لعمل مع الشك، فإن احتمال الغلط والسهو والوهم قائم في نقلها بل وتطرق الغلط على الواحد أكثر فكان أولى بالترك، قلنا: تلك الاحتمالات أرجح ولأن السهو فيما سمعه أكثر منه فيما لم يسمعه أنه سمعه، وما رجح به زيادة عدد التاركين غير مطرد. ولو تساويا وهو من صور النزاع. وإن جهل حال المجلس فالقبول أولى، وإن كانت الزيادة مخالفة فالظاهر التعارض خلافا لبعض
[ ١ / ٣٦٤ ]
المعتزلة، ولو رواها العدل مرة وأهملها أخرى فكتعدد الرواة، ولو أسند واحد وأرسل الباقون أو رفع وأوقفوه أو وصل وقطعوه فالخلاف كالزيادة.
مسألة:
إذا نقل بعض الحديث وترك البعض، فإن لم يتعلق بعضه ببعض فهو كأخبار متعددة، فيجوز، والأولى نقله بكامله، كقوله: المسلمون تتكافأ دماؤهم الحديث. وإن اشتمل على غاية أو شرط أو استثناء كقوله: حتى يزهى، وإلا سواء بسواء
[ ١ / ٣٦٥ ]
لم يجز.
مسألة:
خبر الواحد فيما تعم به البلوى كخبر نقض الوضوء بمس الذكر،
[ ١ / ٣٦٦ ]
والجهر بالتسمية ونحوه غير مقبول عندنا، والأكثر على القبول. لنا: أن تكرر البلوى مستلزم لشيوع حكمها لتوفر الدواعي على نقل أحكام الوقائع
[ ١ / ٣٦٧ ]
فإذا انفرد بنقله الواحد دل على عدم الصحة. قالوا: عدل جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه فوجب القبول كخبره فيما لا تعم به بلوى. قلنا: إمكان الصدق عقلا عارضه استحالته عادة، بخلاف ما لا تعم به بلوى.
مسألة:
إذا خالف الكتاب رد، فلا يترك ظاهره به ولا يخص عمومه قبل أن يخصص بغيره ولا يزاد به عليه ولا ينسخ به لأن الكتاب يقيني المتن والثبوت فلا يترك بما فيه شبهة.
مسألة:
إذا روى مشتركا وحمله على أحد محامله وتبينا على أنه لا يحمل على جمعها [جميعها] فالمعروف حمله على ما عينه، لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا لقرينة. ولا يبعد أن يقال: لا يكون تأويله حجة على غيره، فإن اجتهد فلاح له
[ ١ / ٣٦٨ ]
تأويله ذلك وجب، وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح. وإن كان ظاهرا فحمله على غيره فالأكثر الحمل على الظاهر، وقيل على ما عينه. وعبد الجبار وأبو الحسين: إن علم أنه صار إليه لعلمه بقصده ﵇ وجب، وإن جهل وجوز أن يكون لظهور نص أو قياس أو غيرهما وجب النظر في الدليل، فإن اقتضيا ما ذهب إليه، وجب وإلا فلا، واختار في الأحكام: إن علم مأخذ خلافه وأنه مما يوجبه صير إليه، اتباعا للدليل، وإن جهل عمل بالظاهر لأن الأصل في خبر العدل وجوب العمل ومخالفة الراوي للظاهر تحتمل النسيان والدليل مع الخطأ أو الصواب، فلا يفسق. وإن كان نصا لا يحتمل تأويلا فلا وجه للمخالفة إلا لظهور ناسخ عنده، وقد لا يكون ناسخا عند غيره فلا يكون حجة فلا يترك النص بالاحتمال.
[ ١ / ٣٦٩ ]
مسألة:
إذا خالف ما رواه قبل الرواية لم يرد، وبعدها يرد، فإنه إن كان حقا لم يكن حجة، أو باطلا سقطت روايته. وإن جهل التاريخ لم يرد لجواز التقدم.
مسألة:
إذا ثبت أنه ﵇ عمل بخلاف خبر لم يكن داخلا في عمومه أو كان ذلك الفعل من خواصه عمل بالخبر وإلا عمل بالراجح من الخبر والفعل إن تعذر التخصيص، وإن عمل بخلاف الخبر أكثر الأمة لم يرد باتفاق إلا إن كان كإجماع المدينة عند القائل بأنه حجة.
مسألة:
خبر الواحد فيما يوجب الحد مقبول عند الأكثر، وهو قول أبي يوسف
[ ١ / ٣٧٠ ]
واختيار الجصاص، ومنع الكرخي منه، لنا: عدل جازم في حكم ظني فوجب قبوله، قالوا: لو قبل لم يسقط الحد بالشبهة؛ لأن خبر الواحد محتمل. قلنا: لا شبهة مع الصحة كما لا شبهة مع البينة والاحتمال قائم.
مسألة:
إذا تعارض خبر الواحد والقياس قدم الخبر عند الأكثر، وقيل بالعكس، وعيسى بن أبان: إن كان الراوي ضابطا غير متساهل قدم، وإلا فموضع
[ ١ / ٣٧١ ]
اجتهاد. وفخر الإسلام: إن كان الراوي من المجتهدين كالخلفاء الراشدين والعبادلة قدم؛ لأنه يقيني الأصل، والقياس ظنية [ظنيه] أو من الرواة كأبي هريرة
[ ١ / ٣٧٢ ]
وأنس ﵄، فالأصل العمل ما لم توجب الضرورة تركه كحديث المصراة
[ ١ / ٣٧٣ ]
فإنه معارض للإجماع في ضمان العدوان بالمثل أو القيمة دون الثمن، وفصل أبو الحسين: إن كانت العلة بنص قطعي فالقياس لأن النص على العلة كالنص على حكمها، وإن كان الأصل مقطوعا به خاصة فموضع اجتهاد وإلا فالخبر لاستواء النصين في الظن وترجح الخبر بالدلالة على الحكم بدون واسطة وإن كانت العلة مستنبطة فحكم الأصل إن كان بخبر واحد فالخبر (أولى) أو بدليل مقطوع به فموضع اجتهاد. وتوقف القاضي، واختار في الأحكام إن كانت العلة منصوصة وقلنا لا تخرجه عن القياس وكان النص مساويا لخبر الواحد في الدلالة أو مرجوحا فالخبر لدلالته من غير واسطة، أو راجحا والعلة في الفرع قطعية فالقياس، أو ظنية فالوقف، لأن رجحان الدلالة قابلة [قابله] دلالة الخبر بغير واسطة، وإن كانت مستنبطة فالخبر مطلقا، ودليله أن عمر ﵁ ترك القياس في الجنين بخبر ابن مالك، وقال: لولا هذا لقضينا فيه برأينا، وفي إيجاب دية الأصابع على قدر منافعها بالخبر في كل إصبع عشر وفي ميراث الزوجة من الدية من غير نكير. قالوا: خالف ابن عباس خبر أبي هريرة ﵄ في
[ ١ / ٣٧٤ ]
الوضوء مما مست النار، بالقياس وقال: ألسنا نتوضأ بماء الحميم
[ ١ / ٣٧٥ ]
فكيف نتوضأ بما عنه نتوضأ، وخالف خبره إذا استيقظ أحدكم، قلنا: خالف الأول بما روى أنه أكل كتف شاة مصلية وصلى ولم يتوضأ، وخالف الثاني لأنه رأى أنه غير ممكن وقال: فكيف نصنع بالمهراس، وأيضا حديث معاذ ﵁ أخر العمل بالقياس
[ ١ / ٣٧٦ ]
وأقره ﵇، ولأن الخبر أقوى في غلبة الظن لأنه مجتهد فيه في العدالة والدلالة، والقياس مجتهد فيه في ثبوت حكم الأصل وكونه معللا وصلاحية الوصف للتعليل ونفي المعارض في الأصل وفي وجوده في الفرع ونفي المعارض فيه، فاحتمال الخطأ في الخبر أقل. قالوا: معارض باحتمال كذب الراوي وفسقه وكفره وخطأه [وخطئه] واحتمال الإجمال في دلالته والتجوز والإضمار والنسخ مما لا يحتمله القياس، قلنا بعيد وهو متطرق إلى الأصل الثابت بخبر الواحد وهو من صور النزاع وما يتطرق في الدلالة فمثله في ظاهر الكتاب والسنة المتواترة وهما مقدمان. قالوا: ظنه في القياس من قبل نفسه وفي الخبر من غيره وهو بنفسه أوفق. قلنا: إلا أن تطرق الخطأ إليه أقرب من الخبر. على (أن) الخبر مستند إلى كلام المعصوم وغير مفتقر إلى شيء من القياس ويصير ضروريا بانضمام أخبار إليه، وعدم التيقن في القياس بانضمام قياسات. هذا وإن كان أعم خصه القياس أو أخص فعلى القول بتخصيص العلة يعمل بالخبر فيما دل عليه وبالقياس فيما عداه. وعلى القول بالبطلان فهما متعارضان.
مسألة:
المرسل من العدل مقبول عند الأكثر مطلقا. وعيسى بن أبان من
[ ١ / ٣٧٧ ]
القرون الثلاثة وأئمة النقل والشافعي: إن كان من صحابي أو أسنده غيره أو أرسله آخر وشيوخهما مختلفة أو عضده قول صحابي أو أكثر العلماء أو عرف أنه لا يرسل إلا عن عدل كابن المسيب قبل وإلا فلا. واختيارنا قول عيسى لأن إرسال الأئمة التابعين كان مشهورا مقبولا ولم ينكر أحد، كإرسال سعيد
[ ١ / ٣٧٩ ]
والشعبي وإبراهيم النخعي. فإن قيل: لا إجماع في مسائل الاجتهاد، قلنا: قطعي وهذا ظني
[ ١ / ٣٨٠ ]
ولئن منع عدم الإنكار قلنا: هو الأصل والظاهر أنه لو وجد لنقل وأيضا فإن العدل من الأئمة إذا أطلق قال رسول الله ﷺ جازما فالظاهر أنه لم يطلق إلا بعد ثبوته وأنه يستلزم تعديل الواسطة وإلا لما كان عالما ولا ظانا بخبره، وأيضا فلو لم يكن عدلا عنده كان مدلسا. قالوا: جهل بعين الراوي فكان جهلا بصفته ضرورة والجهل بالصفة مانع فكيف بهما، والعلم بعدالة الراوي شرط القبول والمرسل لا يعرفها، والخبر كالشهادة في العدالة، وإرسال شهادة الفرع مانع ولو جاز المرسل فلا ذكر الإسناد والبحث عنه عن فائدة، ولو جاز لجاز في عصرنا. قلنا: لا يكون جهلا بصفته مطلقا، فإن إرساله عنه دليل تعديله في الجملة كما لو قال أخبرني عدل، وبه الجواب عن معرفة العدالة، وباب الشهادة أضيق فافترقا، والفائدة في ذكر الرواة في غير الأئمة وفي المنقول عنه لاشتباه حاله، ظاهرة، وفي الأئمة تفاوت رتب المنقول عنهم، وأما في عصرنا: فإن كان من الأئمة قبل وإلا فلا. القائل مطلقا: العدل إذا أرسل غلب على الظن تعديله، قلنا: التعميم ممنوع لجواز أن العدل من غير الأئمة يرسل جهلا بمن رواه، ولذلك لم يقبل في عصرنا، وقد أخذ على الشافعي في اشتراطه إسناد غيره أو إسناده مرة بأن العمل بالمسند، ولذلك إذا أرسله اثنان وشيوخهما مختلفة فإن ضم الباطل إلى مثله لا يوجب القبول. وأجيب عن الثاني بأن الظن يحصل أو يقوى بالانضمام.