وعندنا أنها نوعان: أهليةُ وجوبٍ تعتمد قيامَ الذمة وصلاحيةَ الحكم؛ لأن الوجوب للأداء، فإذا بطَل بطَل، كما يفوتُ لفَواتِ المحلِّ، فالغراماتُ المالية لازمةٌ للصبي؛ لتصورِ الأداء بالنائب، وكذا الصلاتُ التي تشبهُ المؤنَ؛
[ ١ / ٢٠٢ ]
كنفقة الزوجة والقرابة، لا المشبهُ للجزاء كتحمُّل العَقْل، وما تمحَّض عقوبةً أو جزاءً لا يجبُ؛ لعدم صلاحيةِ الحكم، وكذا حقوقُ الله، فلا يجبُ الإيمانُ قبل العقل؛ لعدم الأداء، ويجبُ بعده؛ لانعقاد السبب، دون الخطاب بأدائه، وكذا العباداتُ البدنية والماليةُ؛ إذ المقصودُ الابتلاءُ بالأداء اختيارا، وما أُدِّي بالنائب ليس بطاعة
والثاني: أهليةُ الأداء:
وهي: قاصرةٌ، وكاملةٌ، فالأولى تعتمد قدرةً قاصرة؛ كالصبي والمعتوه، يصحُّ منهما الأداءُ -كالإيمان والعبادات البدنية- من غير لزومِ عهدةٍ، وما ينفعُه؛ كقَبول الهبة وقبضِها، لا ما يضره؛ كالقرض والصدقةِ، وإن مَلَكَ القاضي القرضَ عليه، فلأنه نفعٌ لقدرته على الاستخلاص.
والدَّينُ أحفظُ من العين، وما يتردد بينهما كالبيع يصحُّ
[ ١ / ٢٠٣ ]
برأيِ الوليِّ ليكمل نقصانه. ويصحُّ توكيلُ المحجور من غير إذنٍ ولا عهدة، ومع الإذن يلزمُه، ولم يصح إيصاؤه لاشتماله على ترك الأَولى، ولئن شُرع للبالغ كما شرع الطلاقُ والعتاق، ولم يخيره بين الأبوين لميله إلى الشهوة، ولا خيارَ للولي ههنا فبطَل، واعتُبِرت ردتُه في أحكام الآخرة وما لزِمه من أحكام الدنيا عندهما، خلافا لأبي يوسف فحُكميٌّ، كما إذا ثبت تبعا لأبويه، وبالثانية يتوجه الخطاب بالأداء.
تفريعٌ:
السَّكرانُ والغافلُ؛ قيل: لا يُخاطَبان؛ لأنهما أسوأُ حالا من الصبي
[ ١ / ٢٠٤ ]
المميِّز، وتخريجُ لزومِ الضمانِ عليهما قد مرَّ، ونفوذُ الطلاق -في قول- ووجوبُ الحدِّ: من باب ما ثَبَت بخطاب الوضع.
وأُورِد: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ تكليفٌ.
وأُجِيب: نَهَى عن السكر وقتَ إرادة الصلاة؛ كقوله: "لا تمُتْ وأنت ظالم"، والخطابُ إن كان زمنَ الحلِّ، فواضح، أو التحريمِ حُمِل على خطابِ المنتشي الثابتِ العقلِ، باعتبار ما يؤول إليه، ويجبُ التأويلُ جمعًا بين الأدلة.
وقلنا: السكرُ مِن مباح -كمُكرَهٍ على الشرب ومضطرٍّ سكِرَ مما اضطُر إليه أو بدواءٍ- بمنزلة الإغماء؛ يمنعُ صحةَ الطلاق والعتاق، ومِن حرامٍ لا يُنافي الخطابَ
[ ١ / ٢٠٥ ]
للآية، ولا يصح ورودُه حالَ الصحو، إذ لا يُقال للعاقل: "إذا جُنِنت فلا تفعل كذا"، فتعيَّن وقت السكر، فلم يبطُل به شيءٌ من الأهلية، وتصح عباراتُه، وينافي القصد، فلا يصح كفرُه استحسانا، وإن صح إسلامُه كالمُكرَه، ويَلزم إقرارُه بالقصاص، ويلزم إذا باشر سببَه، وكذا حدُّ القذف؛ لعدَمِ الرجوعِ فيه صريحا ودلالة.
والسكرُ لا يُزيلُ أصلَ العقل؛ لأنه سرورٌ يغلبه، فإن كان بمعصية لم يُعذر، أو بمباح عُذِر
مسألةٌ:
مَن قال: "إن الأمر يتعلق بالمعدوم" لم يُرد التنجيزَ، بل تعلقَ الطلب القديم بالفعل
[ ١ / ٢٠٦ ]
من المعدوم حالَ وجوده وتهيئةً للفهم، وهو المختار، وإلا لم يكن الأمرُ؛ أزليًّا ومِن ضرورته التعلقُ بالغير.
ومَن لم يقل به، قال: أمرٌ ونهيٌ وخبرٌ مِن غير متعلَّق موجودٍ محالٌ؛ لأنه سَفَه.
وأُجِيب:
بأنه محلُّ النزاع، وإنما هو استبعادٌ، وقد حمَل ابنَ سعيد على أن قال: بقِدمِ الأمرِ المشتركِ وحدوثِ كونه أمرا ونهيًا وخبرًا.
وأُجِيب:
بأنها أنواعُه، ولا وجودَ للجنس بدون نوعٍ.
قالوا: لو كانت قديمةً لزِم تعدُّد الكلام، وهو واحدٌ.
أُجِيبوا: بأن التعدُّدَ في التعلُّقات، فلا يستلزمُ تعددا وُجوديًّا
[ ١ / ٢٠٧ ]
مسألةٌ:
يصحُّ التكليفُ بما عَلِمُ الآمِرُ انتفاءَ شرطِ وقوعِه عند وقته، ولصحةِ التكليف عُدَّ المكلف عالما بالتكليف قبلَ الوقت، ونفاه المعتزلةُ، والاتفاقُ على الصحة إذا جَهِل؛ كأمر السيدِ عبدَه بفعلٍ ما غدا مع جهله ببقائه.
لنا:
لو لم يصحَّ لم يعصِ أحدٌ؛ لأن شرط الفعل إرادةٌ قديمة أو حادثةٌ، والعاصي ليس مريدا للطاعة على القولين، وهو مأمورٌ بها عند عدم الإرادة المعلومِ لله، وأيضا لم يُعلم تكليفٌ ما؛ لأن بقاء المكلَّف شرطٌ، وهو غيرُ معلوم قبلَه، فلا يكون المكلَّفُ به معلومًا قبلَه ولا معَه ولا بعدَه؛ لانقطاع التكليف فيهما، فإن فُرض زمانُه متسًعًا بحيث يُعلم التمكنُ نقلنا الكلامَ إلى أجزاء ذلك الوقت كالمُضيَّق.
والتكليفُ معلومٌ إجماعا، واستدل القاضي بالإجماع على الوجوب والتحريمِ قبل التمكن؛ فإن البالغ العاقل مأمورٌ بالطاعات منهيٌّ عن المعاصي، وهما مع عدم الأمر والنهيِ محالٌ
المعتزلة: لو صحَّ لم يكن الإمكانُ شرطا في التكليف؛ لأن الفعل بدون شرطه محالٌ،
[ ١ / ٢٠٨ ]
فالتكليفُ به تكليفٌ به.
قلنا: الإمكانُ الذي هو شرطُ التكليف: أن يتأتى الفعلُ عادةً عند اجتماع شرائطه في وقته وهو قائمٌ، وأما الذي هو شرطُ الوقوع ففيه النزاعُ؛ فإنا نجيز الأمرَ بدون الامتثال، على أن ذلك لازمٌ في جهلِ الآمِر؛ فإنه لو صح لم يكُنِ العلمُ بالإمكان شرطا.
قالوا: لو صحَّ لصح مع علم المأمور بانتفاء الشرط اعتبارا بالأمر، والجامعُ كونُه غيرَ متصورِ الحصولِ.
قلنا: الفرقُ انتفاءُ فائدةِ التكليف ههنا وبقاؤه ثَم، وهو الاختبارُ بظهور البِشْرِ والكراهة، وهما سببا الثواب والعقاب
فروعٌ:
فَعَلى هذا: مَن واقَعَ في رمضان ثم مات، وجبت الكفارةُ، ويجب على الحائض الشروعُ في صومِ يومٍ علِم الله حيضَها فيه، ومن قال: "إن شرَعتُ في صومٍ أو صلاةٍ واجبتين، فطالقٌ"، ثم شرَع فمات في أثنائها، طلُقت؛ خلافا للمعتزلة
[ ١ / ٢٠٩ ]