فصلٌ
وتَعترِضُ على الأهلية أمورٌ سماويةٌ وأُخَرُ مكتسبةٌ؛ فمِن السماوية: الجنونُ، والقياسُ أن يسقط الوجوبُ لعدم القدرة على الأداء، والاستحسانُ في غير الممتدِّ إلحاقُه بالنوم؛ لعدَم الحرج، والممتدُّ في الصوم باستغراق الشهر، وفي الزكاة بالحول عند محمد، وبأكثره عند أبي يوسف، وهذا مختصٌّ بالعارضي عندَه، ولا فرق عند محمد، حتى لو بلَغ مجنونا ثم أفاق في بعض الشهر، وجَب قضاءُ ما مضى عند محمد خلافا له، ولا يُنافي الضمانَ؛ لأهلية
[ ١ / ٢١٠ ]
الحكم، فكان سببا للحَجْر في الأقوال، وإيمانُه صحيحٌ تَبَعا لا قصدًا؛ لعدمِ رُكنِه، ويسقط به ضررٌ يَحتمِل السقوطَ كالطلاق والعِتاقِ والحدودِ
ومنها: الصِّغَرُ: وكان عارضيًّا لعدمِ الدخولِ في مفهوم الإنسانية، وهو كالجنون في أوله، وعند التمييز يسقطُ به ما يسقطُ عن البالغ بعُذر، ويصحُّ منه وله: ما خلا عن عُهدة، ولم يُحرَم عن الإرث بالقتل، وإن حُرِم بالرق والكفر؛ لمنافاة الرق أهليةَ الإرث، والكفرِ أهليةَ الولاية، فليس الحرمانُ فيهما جزاءً.
ومنها العَتَه: وحكمُ المعتوه كالصبيِّ المميز؛ لا يلزمُه عُهدةٌ، ويَضمنُ الأموالَ لعصمة المحلِّ، والجنونُ، وإن كان كأول الصِّبَى، لكن الفرق أن امرأةَ المجنون إذا أسلَمَت عُرِض على أبويه
[ ١ / ٢١١ ]
الإسلام، فإن أسلَمَ أحدُهما وإلا فُرق بينهما، ولا يُعرَض عليه؛ لعدم صحة الأداء، ولا يُؤخر؛ لأن زواله موهومٌ، وفي الصبي: يُؤخر إلى البلوغ؛ للتيقن بزوال الصِّبَى، والمعتوهُ كالصبي المميزِ لا يَفترقان في صحة أداء الإسلام
ومنها: النسيانُ:
وهو عذرٌ في حق الله تعالى؛ إذ أغلبُ وجوده فيه؛ كالصوم والذبح؛ لعُروضه من جهته، دون حقوق العباد، لحاجاتهم، ولا يُلحق بالمنصوص عليه غيرُه؛ للتفرقة في غلبة الوجود، فسلامُ الناسي غيرُ قاطعٍ للصلاة، بخلاف كلامه؛ للغلبة في الأول دون الثاني.
ومنها: النومُ:
وهو منافٍ للاختيار؛ للعجز عن استعمال العقلِ مع بقاء أصلِه، فيبطل به ما يُبنى عليه؛ كالطلاق والعتاقِ والإسلامِ والردَّةِ والقراءةِ في الصلاةِ والكلامِ فيها والقهقهةِ في الأصحِّ،
[ ١ / ٢١٢ ]
والإغماءُ مثلُه، لكن يزيد عليه بأنه مُزيلٌ للقوة أصلا، فافترقا في أنه -من حيث هو- حدثٌ، بخلاف النوم، وبأنه في الصلاة نادرٌ، فامتنع البناءُ، واعتُبر امتداده في الصلاة خاصةً؛ بأن يزيد على يومٍ وليلةٍ، دون الزكاة والصوم، ولم يُعتبر في النوم واعتُبر في الجنون؛ لغلبتِه فيه، وندرتِه في النوم، وتوسطِه في الإغماء
ومنها: الرِّقُّ:
وهو عجزٌ حُكمي بقاءً، وإن شُرع في الأصل جزاءً، به يصيرُ عرضةً للتملك،
[ ١ / ٢١٣ ]
ولا يتجزأ، فالمُقر برقِّ نصفِه رقيقٌ كلٌّه؛ لأنه معنًى حُكميٌّ يحل بالمحل كالعلم والقدرة والعتق لا يتجزأ، والخلاف في الإعتاق، فقالا: يَستلزمُه العتقُ؛ لأنه مطاوعة فلم يتجزأ كالتطليق مع الطلاق. وقال أبو حنيفة: هو إزالةٌ لمِلك متجزئ، وهو حقُّه، فإن الرق حقُّ الشرعِ، لكن تعلق بسقوط كل المِلك حكمٌ غيرُ متجزئ هو العتقُ، فإزالةُ بعض الملك بعضُ العلة، فيعتق البعضُ كالمكاتب، واعتُبر بأعضاء الوضوء لإباحة الصلاة، وأعدادِ الطلاق للتحريم
تنبيهٌ:
وهو منافٍ لمالكيةِ المال؛ لقيام المملوكية، فلا يَملِك العبدُ التسريَ؛ لاعتماده الملك، ولا حِجةَ الإسلام؛ لعدم المال، ومنافعُه البدنية لمولاهُ، وإن استُثني عنها الصومُ والصلاةُ، وتملكُ غير المال
[ ١ / ٢١٤ ]
كالنكاح والدم، ونقصت الكرامات عنه فذمتُه ضعيفة عن تحمُّل الدَّينِ بنفسها، ما لم ينضم إليها ماليةُ الرقبة والكسب، وكذلك الحَلُّ، فينكح ثِنْتَين، وتُطلق الأمة ثِنْتَين، وتُنَصف العدةُ والحدُّ والقَسْم، وانتقصت قيمتُه عن دية الحرِّ؛ لنقصان الولاية؛ حيث يَملِك التصرفَ في المال يدًا لا مِلكًا، كالمرأة تنصفت ديتُها لملكها المالَ دون النكاحِ والطلاقِ، والعبدُ يملكهما ناقصًا
والمأذونُ أصيلٌ في التصرُّف عندنا، والمولى خليفته في الملك كالوكيل، فكما لا تَبطُل الوكالة بمرضِ الموكِّل، وتعلقُ حق الوارث والغريم بماله لا يُبطل الإذنَ بمرض المولى مع تعلق الحقوق، ولو لم يكن أصيلا لانتفى، وعند الشافعية: ليس أهلا للتصرُّف؛ لعدم أهلية حكمه؛ لأن شرعية السبب للحكم.
قلنا: أهليةُ التكلم ثابتةٌ، والذمةُ قابلةٌ، فإذا احتاج إلى قضاءِ دينٍ كان أهلا، وأقل الطرق اليد، وهو أصل؛ لأن الملك وسيلة
تنبيهٌ:
ولا تأثيرَ له في عصمة الدم؛ لأن كمالها بالإسلام والدار، وهو كالحر فيه، فقتل به قصاصًا، ويوجب نقصا في الجهاد والحج؛ لعدم استثنائهما على المولى، فلم يستحق سهما كاملا
[ ١ / ٢١٥ ]
تنبيهٌ:
والولايات منقطعة به، وإنما صح أمانُ المأذون لأنه شريك في الغنيمة، فيلزمه ثم يتعدى، كشهادته بهلال الصوم
يهٌ:
ولَمَّا ملَك ما ليس بمالٍ وما فيه إلزام ضمنيٌّ صحَّ إقرارُه بالحدِّ والقصاصِ وبالسرقة المستهلَكة، ومن المأذون بالقائمة، ثم تعدى إلى المولى والمسروق، حتى تُرَد إلى المُقَرِّ له.
وصح من المحجور بالحدِّ والمال عند أبي حنيفة، خلافا لمحمد، وبالحدِّ لا غيرُ عند أبي يوسف
[ ١ / ٢١٦ ]
ومنها: المرضُ:
وهو سببُ تعلق حق الوارث والغريمِ بالمال؛ لكونه من أسباب الموت الذي هو علة الخلافة، وكان سببا للحَجْر إن اتصل به الموتُ مستندا إلى أوله، فالتصرفاتُ المحتملةُ للفسخ تصحُّ في الحال؛ لأهلية الحكم والعبارة، ثم يُنقض كالمحاباة والهبة،. والتي لا تَحتمِلُه؛ كالإعتاق الواقع على حق مستحق، جُعل كالمتعلق بالموت، وحين أبطَل الشرعُ إيصاءه لوارثٍ، بطَل مطلقا، فلم يصح بيعُه منه مطلقًا عند أبي حنيفة، وإقرارُه له، وإن حصل باستيفاء دين الصحة، وتقومت الجودة في حقهم للتهمة كما تقومت في حق الصغار
[ ١ / ٢١٧ ]
ومنها: الحيضُ والنفاسُ:
ولا يُعدِمان أهليةً، لكن الطهارة عنهما شرطُ أداءِ الصوم والصلاةِ، فيفوت الأداءُ، ثم في قضاء الصلاة حرج، فسقط بهما أصلُ الصلاة دون الصوم.
واختَلَف أصحابُ الشافعي في تكليفهما بالصوم على قولين، وفي الأحكام: إن أُريدَ به تكليفُها بتقدير زوال الحيض المانعِ فحَقٌّ، وإلا فهو ممتنعٌ في الحال؛ لكونه منهيًّا عنه، فلا يكون واجبًا.
وأُورِدَ:
لولا الوجوبُ لم يكن القضاءُ.
أُجِيب:
بأنه بأمر جديد، وسُمي قضاءً لاستدراك ما انعقد سببُه ولم يجمع لمانع
[ ١ / ٢١٨ ]
ومنها: الموتُ:
وهو: عجزٌ تامٌّ يَسقُط به التكليفُ لفَوت الأداء عن اختيار، فلا تبقى الزكاة، بل المأثم.
وما عليه وهو متعلقٌ بعين باقٍ ببقائه، أو بذمته لم يبقَ
[ ١ / ٢١٩ ]
بمجردها بل بانضمام مالٍ أو كفيلٍ، حتى لم يصح عن الميت كفالةٌ بدون أحدهما عند أبي حنيفة، كأن الدين ساقط، بخلافها عند عبد محجورٍ أقَرَّ بدين؛ لكمال ذمته في نفسه، وإن ضُمت إليها الماليةُ في حق المولى، وما عليه صلةٌ تَبطُل، إلا أن يوصي فيصح من الثلث.
وما شُرع لحاجته لم ينافيه [؟] الموتُ، فيبقى، فلذلك قُدم جَهازُه ثم ديونُه ووصاياه من ثلثه، ثم وجبت المواريثُ خلافة، ولهذا بقيت الكتابةُ بعد موت المولى وبعد المكاتب عن وفاء.
وغسَّلت المرأةُ زوجَها في عدته؛ لبقاء مِلكه، والغَسْلُ من حوائجه، من غير عكسٍ عندنا؛ لأنها مملوكةٌ وقد بطَلت.
وما لا يصلح لحاجته كالقصاص فواجبٌ للورثة أولا بسبب الفقد للمورث، ولهذا صح عفوُ كلٍّ منهما.
ولم يُورث عند أبي حنيفة، وإذا انقلب مالًا بعفوِ البعض أو بصلحٍ صار موروثا، وهو خَلَفٌ، إلا أن المال صالحٌ لحوائجه، ولهذا تعلق به حقُّ الموصى له، لا بالقود، فاعتُبر سهامُ الورثة في الخلف دون الأصل، واختلفا؛ لاختلاف حالهما
[ ١ / ٢٢٠ ]