فصلٌ:
ومن المكتسبة: الجهلُ، وعُدَّ منها للتفريط في العلم وإن كان أصليا، فجهلُ الكافر ليس بعذر؛ لجحود ما اتضح برهانُه،
[ ١ / ٢٢١ ]
ودِينُه دافعٌ للتعرض، ولدليل الشرع عند أبي حنيفة ﵀ في حكم يحتمل التغيير؛ كأن الخطاب في تحريم الخمر غيرُ نازل في حقه؛ فيجوز البيع، ويصحُّ الضمانُ، ويصحُّ نكاحُ المَحرَم، حتى لو أسلما وقد وطئ ثبت إحصانُهما ويصح طلبُها النفقةَ به، ولم يُفسخ إلا بالترافع، وهما فرَّقا بين الحكم الأصلي وغيره، فقالا: تقوُّم الخمر والخنزير وإباحتُهما أصلي فيبقى، وإباحةُ المحرم ليس بأصل فيُنفى.
وقيامُ دليل التحريم شبهةٌ مانعة من حدِّ القذف، وعند الشافعي: دافع للتعرض لا غير، حتى لا يجب حدُّ الخمر لا في الأحكام
وجهلُ صاحبِ هوًى بصفات الإلهية، ليس بعذر؛ لوضوح الحجة.
وجهلُ الباغي؛ وإن كان
[ ١ / ٢٢٢ ]
متأوِّلا، ولذلك ضمَّناه مالَ العادل ونفسَه بإتلافه من غير مَنَعة.
وعند المنعة: تسقط الولاية، ويجب الجهادُ وقتلُ الأسير والتدفيفُ على الجريح، ولا ضمانَ ولا حرمانَ بالقتل.
وإن لم يُحْرَموا عند أبي حنيفة ومحمد؛ للتأويل وإن كان باطلا، وتُحبَس أموالهم زجرًا، ولا تملك؛ لاتحاد الدار حقيقة واختلافِها حكما، فتثبت العصمةُ من وجه، فلم يُضمن بالشك، ولم يُملك بالشبهة، بخلاف أهل الحرب؛ لاختلاف الدار والمنعة المبطلة للعصمة مطلقًا
والجهلُ في موضع الاجتهاد أو الشبهةِ شبهةٌ؛ كمَن صلى الظهر بغير طُهر، ثم صلى العصر به، ثم صلى المغرب وقضى الظهر، وعندَه أن العصر مجزية، جاز؛ للاجتهاد في الترتيب، وكما لو عفى أحدُ وليي قصاصٍ، فقتله الآخرُ ظانًّا بقاءَ القصاص له، لم يُقتص منه للشبهة، وكمَن زنى بجاريةِ ولده
[ ١ / ٢٢٣ ]
على ظنِّ الحلِّ، لم يُحد، وكحربيٍّ أسلم ودخل إلينا فشَرِب جاهلًا بالحرمة، لا ذمي، وبخلاف الزنا، وجهلُ مَن أسلم في دار الحرب عُذرٌ؛ لخفاء الدليل وعدمِ التقصير، وكذا جهلُ الوكيل والمأذون بالإطلاق وضدِّه، وللشفيع بالشفعة، وللبكر بالنكاح، والأمة المنكوحة بخيار العتق، بخلاف خيار البلوغ؛ لخفاء الدليل في حقها دون الحرة
ومنها: الهزلُ:
وهو ينافي اختيارَ الحكم والرضا به دون مباشرته، كخيار الشرط.
وشرطُه التصريحُ به وإن لم يذكر في العقد، ولا ينافي الأهليةَ ولا الحكمَ، لكن يجب التخريجُ
[ ١ / ٢٢٤ ]
بحسب أثره؛ فإن دخَل على ما يمكن نقضُه كالبيع؛ فإما أن يهزلا بأصله، أو بقدر العوض، أو بالجنس، وكلٌّ منها إما أن يتفقا بعد المواضعة على الإعراض أو البناء، أو يسكتا، أو يختلفا، فإن هزَلا بأصله ثم أعرَضا بطَل الهزلُ، أو بَنَيا انعقد فاسدا غيرَ مُوجِبٍ للمِلك، كشرط الخيار من الجانبين، فمن نقضه أو أجازه انتقض وجاز، ويجب تقديرُه في الهزل بالثلث عند أبي حنيفة، ولذلك لم يثبت به المِلكُ مع القبض، وإن سكَتا أو اختلفا صحَّ العقدُ عنده؛ مَيلا إلى صحة الإيجاب ظاهرا لعدم إيصال الهزل به.
وقالا: بطَل في السكوت، وجعَلا القولَ لمدعي البناء في الاختلاف؛ مَيلا إلى اعتبار المواضعة لسبقها، حتى يوجد الناقض اعتبارا للعادة
وإن هَزلا في العوض؛ بأن سَمَّيا ألفين والثمنُ ألف، فإن أعرضا صحَّ،
[ ١ / ٢٢٥ ]
أو سكَتا أو اختلفا فالتسميةُ عندَه (والمواضعةُ عندهما، أو بيَّنَا فالتسميةُ عندَه) أيضا؛ لأنهما جَدَّا في الأصل، فلو عمل بالمواضعة فسَد؛ لأنه شرطٌ فاسد، فترجَّح الأصلُ على الوصف، بخلاف المواضعة في الأصل
وإن دَخَل على ما لا يُنقض؛ فإما أن لا يكون فيه مالٌ؛ كالطلاق والعتاق والعفو واليمين والنذر، فالهزلُ باطل.
(ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِد وهزلُهن جِد: النكاحُ والطلاقُ واليمينُ).
ولأنه رضًا بسببٍ لا يُرد حكمُه فلزِم، أو يكونَ المالُ تابعًا كالنكاح، فإنْ هَزَلَا بأصله لزِم، أو بالقدر وأعرَضَا فالمُسمَّى، أو بَنَيَا فالمواضعةُ،
[ ١ / ٢٢٦ ]
والفارقُ أن النكاح لا يَبطُل بالشرط الفاسدِ، بخلاف البيع، وإن سَكَتا أو اختَلَفا فالمُسمَّى كالبيع أو المواضعة لتبعية المهر؛ روايتان.
فإن هَزَلا في الجنس وأعرضا فالمسمى، أو بَنَيا فمهرُ المثل، بخلاف البيع؛ لتوقفه على تسمية الثمن، وإنْ سَكَتا أو اختلفا فمهرُ المثل اتفاقا في رواية، والمسمى عنده والمثلُ عندهما في الأخرى.
وإن قُصِد المالُ -كالخلع والعتقِ بمال والصلحِ عن عمد- بطَل الهزلُ عندهما؛ سواءٌ هزلا بأصله أو ببدله أو بجنسه وبنيا، وصح عنده فيجب المسمى عندهما ويقع الطلاقُ مطلقًا، وعندَه يتوقفُ على اختيارها كما في خيار الشرط في الخلع من جانبها، وإن أَعرَضا بطَل الهزلُ اتفاقا، أو سكتا أو اختلفا فعندَه القولُ لمدعي الجِدِّ وعندهما لمدعي البناء
والهزلُ في الإقرار يُبطِله؛ للدلالة على عدم المُخبَرِ به، وكذا تسليم الشفعة بعد الطلب والإشهاد هزلا.
هذا، وإن دخل على اعتقاد، فإن تبرأ كافرٌ عن دينه وهزَل بالإسلام حُكم بصحته كالمكره، بمنزله الإنشاء لا يمكن رد حكمه
[ ١ / ٢٢٧ ]
ومنها: السَّفَهُ:
ولا ينافي الأهليةَ ولا الأحكامَ، وليس بسبب للنظر.
[ ١ / ٢٢٨ ]
ومنعُ المال عنه أولَ بلوغه عقوبةٌ، أو غير معقول، فلا يُقاس عليه.
وقالا: وجب النظرُ للمسلمين ولدينه، لا لسفهه.
أجاب: بأنه جائز لا واجب، كيف وقد تضمَّن ضررا فوقه؛ من إلحاقه بالصبي والمجنون لأجل اليد التي هي نعمة طارئة، والأهلية نعمة أصلية، ولا يَبطلُ الأعلى بالأدنى.
وقالا: ثبت له هذه النعمةُ رفقا به، فإذا أضرت رُدت؛ نظرا للمسلمين، لا لسفهه من حيث هو، ولهذا تعددت طرقُ الحَجْر؛ فيبيعُ القاضي على المديون الممتنع مِن بيعِ ماله في الدين، ويَحجُر عليه كيلا يبيعَ مالَه تلجئةً، ويحصره على الغرماء
[ ١ / ٢٢٩ ]
ومنها: الخطأُ:
وهو عذرٌ يَسقُط به حقُّ الله إذا حصل عن اجتهاد، وشبهةٌ في العقوبات فلا يأثم ولا يؤخذ بحد ولا قصاص، وليس بعذر في حقوق العباد؛ فيجب ضمانُ الأموال لعصمة المحل، ووجبت الديةُ على وجه التخفيف والكفارة لتقصيره في التثبت، وصح طلاقُه، ومنعه الشافعي؛ اعتبارا بالنائم.
قلنا: مُنافٍ لأصل العمل
[ ١ / ٢٣٠ ]
بالعقل، فلا يُقام البلوغُ مُقامَه، والعلم بدوام العمل من غير سهو حرجٌ، فأقيم البلوغُ مُقامَه، مع أنه لا يخلو عن تقصير، فلم يكن سببا للكرامة ولهذا لم يُلحق الخاطئ بالناسئ في بقاء الصوم
ومنها: الإكراهُ:
والمختارُ في الأحكام أن المُلجَأ إلى الفعل، بحيث لا يُمكنُه تركُه، وصار فعلُه
[ ١ / ٢٣١ ]
كحركة المرتعش؛ غيرُ مُكلَّف، وإن جاز عقلا فممتنعٌ سَمْعًا؛ لقوله ﵇: (وما استُكرِهوا عليه)، والمراد رفعُ المؤاخذة المستلزِمُ لرفع التكليف، ولزومُ الغرامات: لعصمةِ المحلِّ، وإن لم يُضطر فهو مكلفٌ عقلا وشرعا، وعندنا: هو مكلف مطلقًا؛ لأنه مُبتلًى بين فرض وحظر وإباحة ورخصة وإثم وأجر، فإنه لا يُرخص له قتل ولا جرح ولا زنا ولا حظر في الميتة والخمر والخنزير، ورُخص في إجراء كلمة الكفر، وإفسادِ الصوم والصلاة، وإتلافِ المال، والجنايةِ على الإحرام، وتمكينِ المرأة من الزنا.
وفارقت الرجلَ في الرخصة بسبب أن نسبة الولد عنها لا تنقطع، فلم يكن بمعنى القتل، ولهذا قام إكراهُ القاصر شبهةً في الدرء عنها دونه، وهذا آية الخطاب، ولا ينافي الاختيارَ وإلا لبطَل الإكراهُ، لأنه حاملٌ على موافقة الملجئ، فلم يناف شيئا من الأقوال والأفعال، وإنما أثر الكامل منه في تبديل النسبة، والقاصر في تفويت الرضا
وأصلُ الشافعي:
[ ١ / ٢٣٢ ]
أن باطلَه مُبطلٌ للحكم مطلقا؛ لإبطاله الاختيارَ الذي تَبتني عليه صحةُ القول، ومتى تم الإكراهُ -بأن أبيح الفعل- فإن أمكنت نسبتُه إلى الملجئ، وإلا بطل، فيضمن الملجئ المال وجزاء صيد الحرم وفى الإحرام، ويحد الزاني لعدم الإباحة، ويقتل القاتل لذلك، والملجئ أيضا بالتسبب، وصح إسلام الحربي دون الذمي، وبيعُ المديونِ أموالَه لصحة الإكراه.
وأصلُنا: أنه مفسدٌ للاختيار، فإن عُورض
[ ١ / ٢٣٣ ]
باختيارٍ صحيح ترجَّح وجُعل الفاسدُ معدومًا، فيُنزَّل آلةً له إن أمكن، وإلا بقيت النسبة إلى الفاسد؛ لعدم المعارضة، فالأقوالُ لا يصلح فيها آلةٌ فاقتصرت عليه، وفسد بالإكراه مطلقًا ما احتمل الفسخ، وتوقف على الرضا كالبيع والإجارة، وبطلت الأقاريرُ لاعتماد صحتها قيامَ (المخبر به) وقد قامت دلالةُ عدمه، وما لا يحتمله ولا يتوقفُ على رضًا واختيارٍ -كالطلاق والعتاق والنكاح- لم يبطل؛ لعدم بطلانه بالهزل وشرط الخيار مع منافاة الرضا بالحكم والاختيار، وهذا مفسدٌ لا منافٍ فكان أولى، وإذا أُكره على قَبول المال في الخلع وقع الطلاق ولم يجب المالُ لكونه معدما للرضا بالسبب والحكم، فلم يلزم المال لعدم الرضا، ووقع الطلاقُ بغير مال كطلاق الصغير على مال، بخلاف الهزل؛ لمنافاته الرضا بالحكم دون التسبب فكان كشرط الخيار
وما يصلحُ فيه آلة؛ كإتلاف مال أو نفس لزِم الملجئَ بالكامل منه حكمُه؛ لإمكان النسبة بفساد الاختيار، فوجب القصاصُ وضمانُ المال.
وما لا يصلح آلة؛ كالأكل والزنا، فيقتصر.
وما صلح فيه صورةً لا محلًّا، لا تنقل النسبة؛ لتضمُّنِه إبطالَ الإكراه (كما إذا أُكره) مُحرم على قتل صيد، ففي نفس القتل صلَح آلةً، لكنه يستلزم نقلَ محل الجناية؛ إذ المجنيُّ عليه الإحرام، فلو جُعل فيه آلة انتقل، فلم يكن
[ ١ / ٢٣٤ ]
جناية على إحرام غيره؛ لقيام فعله به، فيبطل الإكراه، ويقتصر الفعل على فاعله، ولهذا يأثم إذا أُكره على قتل مسلم؛ لاقتصاره عليه، باعتبار أنه جناية على الدِّين، ويقتصُّ من الملجئ باعتبار تفويتِ المحل، وفي النقل لا يتبدلُ المحل، وكذلك مَن أكره على البيع والتسليم، يقتصر التسليمُ عليه وإن صلح آلة؛ من حيث استلزامُه لإتلاف المالية بالتسليم، إلا أنه تصرف في فعل نفسه لقيامه به، فلم يصلح آلة فيه، وإلا لتبدل ذاتُ الفعل؛ لكون التسليم إتماما لا غصبا، فلو انتقل صار غصبا، لا يُقال: أمكن من حيث (إتلافُ المال) وقد قلتم بالاقتصار مطلقا؛ لأنا نقول: نسبناه إليه من حيث الغَصْبيَّة حتى يثبت له تضمينُه لو هلك المبيع في يد المشتري، ولمَّا كان النقلُ حكما، قلنا: المُكرَه على الإعتاق يقتصر عليه؛ من حيث إنه إثبات قوة شرعيّة، وما استلزم من الإتلاف الذي يضمنه منقولٌ إلى الملجئ؛ حتى ضمن