تنبيه:
وفرق ما بين الاستحسان بالثلاثة الأول والقياس الخفي: صحة التعدية بهذا دون الأول، كالاختلاف في الثمن قبل قبض المبيع لا يوجب يمين البائع قياسا لأن البائع هو المدعي دون المشتري، وفي الاستحسان يجب لأنه ينكر تسليم المبيع بالثمن الذي يدعيه المشتري. ويعدى إلى الإرث والإجارة. وأما بعد القبض فاليمين ثابت بالأثر فلم يتعد إلى الوارث وإلى حال هلاك (المبيع). وإذا عرفت المراد بالاستحسان فلا وجه لتشنيع من شنع.
فصل:
في إثبات العلة وفيه مسالك الأول: الإجماع، والثاني:
[ ٢ / ٦١١ ]
النص، وهو على مراتب: ما دل بوضعه؛ مثل العلة كذا أو السبب كذا، أو لأجل أو من أجل أو كي أو لكي أو إذا، ومثل لكذا، وإن كان كذا، أو بكذا. ومثل "فإنهم يحشرون" ومثل ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ و"من أحيا أرضا ميتة فهي له" ومثل "سها فسجد" و"زنا ماعز فرجم"
[ ٢ / ٦١٢ ]
وما دل بالتنبيه والإيماء وهو كل اقتران بحكم لو لم يكن للتعليل كان بعيدا، وهو مراتب منها: حكمة عقيب حادثة بحكم كواقعت امرأتي في نهار رمضان، فقال: "أعتق رقبة" فإنه دليل أن الوقاع علة له كأنه قال: واقعت فكفر إذ الأمر بالعتق ابتداء من غير ترتيب بعيد. ومنها ذكره مع الحكم وصفا لو لم يكن علة لم يفد، إما مع سؤال في
[ ٢ / ٦١٣ ]
محله كقوله ﵇ "أينقص إذا جف" أو في نظيره كقول الخثعمية: إن أبي توفي وعليه الحج، أفينفعه أن أحج عنه؟ فقال: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه فقالت نعم. قال: فدين الله أحق" فذكر النظير مرتبا عليه فيلزم في نظيره وفيه تنبيه على الأصل والفرع والعلة. وإما من "غير" سؤال كقوله حين توضأ بنبيذ التمر "تمرة طيبة وماء طهور" دل على جواز الوضوء به
[ ٢ / ٦١٤ ]
وإلا كان ضايعا، ومنها: أن يفرق بين أمرين بصفة فإنه يشعر بأنها علة التفرقة إما مع ذكر أحدهما "كالقاتل لا يرث" أو ذكرهما: "للراجل سهم وللفارس سهمان". وقد يكون بالغاية مثل ﴿حتى يطهرن﴾ وبالاستثناء كـ ﴿إلا أن يعفون﴾ وبالاستدراك ﴿ولكن لا يؤاخذكم﴾.
[ ٢ / ٦١٥ ]
ومنها أن يذكر معه وصفا مناسبا كقوله ﵇: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" فإنه يشعر بأن الغضب علة لتشويش النظر. ومثل أكرم العالم وأهن الجاهل، لأنه ألف من الشارع اعتبار المناسبات فيغلب على الظن لمقارنته ومناسبته أنه علة.
مسألة:
إذا صرح بالوصف وكان الحكم مستنبطا منه غير مصرح مثل ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ فإيماء وبالعكس كـ"حرمت الخمر لعينها"
[ ٢ / ٦١٦ ]
استنبط منه أن العلة الشدة المطربة ليس بإيماء، وقيل إيماء فيهما وبالعكس.
وجه التفصيل: أن الإيماء كون الوصف مذكورا على وجه يظهر من سياقه التعليل والأول كذلك وإن لم يصرح به الحكم فهو لازم لأنه يلزم من الحل الصحة والتعذره مع انتفائها. والثاني ليس كذلك لأن الوصف ليس بمذكور أصلا.
مسألة:
اشترط قوم المناسبة في صحة علل الإيماء ونفاه قوم وفصل آخرون: إن كان التعليل إنما فهم من الوصف المناسب اشترط، وإلا فلا، لأنه إنما فهم من المناسبة فإذا انتفت انتفى.