وهو طلب الامتناع على جهة الاستعلاء، وما تقدم في حد الأمر وأن له صيغة فمثله ههنا، وصيغة لا تفعل وإن احتملت التحريم والكراهة والتحقير (لا تمدن) وبيان العاقبة (ولا تحسبن الله غافلا)
[ ٢ / ٤١٥ ]
والدعاء (لا تؤاخذنا) واليأس (لا تعتذروا) والإرشاد (لا تسألوا عن أشياء) فهي حقيقة في طلب الامتناع مجاز في غيره، وكونها حقيقة في التحريم أو الكراهة أو مشتركة أو موقوفة فعلى ما مر.
تنبيه:
ومقتضاه قبح المنهي عنه شرعا، فإن قيل: هلا قلتم يقتضي حسن الانتهاء قلنا: صفة وجودية فيقتضي محلا موجودا. والانتهاء امتناع عن إيجاد الفعل وهو عدمي. فإن قيل ترك فكان فعلا مقصودا، قلنا: موجب النهي الانتهاء دائما بإبقاء العدم الأصلي وهو الامتناع مقصودا كان أو غير مقصود، والترك فعل يستلزم القصد عند إرادة إيجاد المنهي عنه وهو غير مستغرق، والانتهاء مستغرق
[ ٢ / ٤١٦ ]
فهو أعم من الترك، ومثل هذا: إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق، ثم قال: لا أشاء لم تطلق، ولو قال: إن أبيت ثم قال قد أبيت طلقت. والفرق أن الإباء فعل يقابل إرادة الإيقاع بقصد ولا يستغرق، وعدم المشيئة امتناع عن إيقاعه وهو مستغرق فلا يوجد الشرط بإخباره ولا بامتناعه في جزء من العمر.
تقسيم:
فمنه لعينه ومنه لغيره، وهذا على قسمين، مجاور ووصف لازم فالأول كالعبث والسفه لخلوهما عن فائدة تقصد بالشرعية، وكبيع المضامين والملاقيح للإضافة إلى غير محل، وكالصلاة بغير طهارة لارتفاع أهلية الأداء شرعا،
[ ٢ / ٤١٧ ]
وحكمه عدم الشرعية أصلا. والثاني كالوطي [كالوطء] في الحيض للأذى المجاور، وكالبيع وقت النداء للإعراض عن السعي الواجب، وكالصلاة في الأرض المغصوبة لشغل ملك الغير وحكمه الصحة على مثال الصايم [الصائم] يترك الصلاة فهو مطيع بالصوم وعاص بتركها كما هو مطيع بالصلاة وعاص بشغل ملك الغير، وواطي [وواطئ] بملك النكاح المبيح وعاص باستعمال الأذى، ولذلك ثبت به الحل والإحصان. والثالث: كالزنا قبيح لتضييع النسل وكالربا لعدم المساواة التي هي شرط هذا البيع، وكالصوم في العيد لأنه إعراض عن الضيافة. والاتفاق أن الأفعال الحسية كالقتل والزنا والسرقة ملحقة بالقبيح لعينه، واختلف في العبادات والمعاملات فموجب التي فيها بقاء المشروعية والفساد وصفا، وقال الشافعي: مثل القبيح لعينه في رفع المشروعية أصلا، فالمحرم الصوم الواقع، وعدنا [وعندنا] الوقوع لا الواقع، وهما غيران. لنا نهي عن
[ ٢ / ٤١٨ ]
شرعي فيقتضي الصحة وإلا لا يكون شرعيا، ويقتضي الفساد لوجوب [لوجود] قبح في المنهي عنه وإلا لا يكون منهيا، فوجب الحكم بشرعية أصله وفساد وصفه؛ لاستحالة كون المشروع قبيحا لعينه، واحتج بأنه ضد الأمر فوجب اقتضاؤه قبح عينه كاقتضاء الأمر حسنه فوجب ارتفاع المشروعية لأن كل منهي قبيح ولا شيء من القبيح بمشروع، فلا شيء من المنهي بمشروع، ولأن فاعله عاص وأدنى المشروع أن يكون مباحا. قلنا: لا يجب تقابل أحكام المتقابلات ولو سلم فالنقيض لاقتضاء الحسن وهو أعم من اقتضاء القبح والصغرى على الإطلاق ممنوعة فإنها محل النزاع، فليس منهيا باعتبار أصله، وكذلك الكبرى لكونه مشروعا بأصله، والعصيان باعتبار ملابسته الوصف القبيح لا مطلقا. وقيل: الفساد شرعي لا لغوي، وقيل بالثاني، وفصل أبو الحسين فقال به في العبادات دون المعاملات بناء على أن فساد العبادة عدم إجزائها، والمعاملة عدم ترتب أثرها، وهو دال في الأول دون الثاني كالبيع
[ ٢ / ٤١٩ ]
وقت النداء، ورد بأن الفساد في الوصف، فأثره في الكراهة فلا ينافي الإجزاء القائل بالفساد شرعا لا لغة، أما الثاني فليس في اللفظ ما يدل على سلب أحكامه قطعا، فإنه لو قال نهيتك عن ذبح شاة الغير لعينه ولو ذبحت حلت لم يتناقض، وأما الأول فإن العلماء لم تزل تستدل عليه بالنهي في الربويات والأنكحة وغيرها، ولأن النهي لغير مقصود محال للقبح أو لامتناع خلو الأحكام عن الحكم، ويمتنع أن يكون مقصود النهي مرجوحا على مقصود الصحة أو مساويا لامتناع أن يقصد إلا الراجح، فامتنع انعقاد التصرف لرجحان مقصود النهي. وأجيب بأن استدلال البعض لا يكون حجة على الباقين، وليس بلغوي ولا قطعي، وقد فهم غيرهم غيره، وبأنهما مقصودان كما في المنهي عنه لغيره.
تنبيه:
ومن الفروع على أصل الشافعي: أن المنهي عنه معصية
[ ٢ / ٤٢٠ ]
فلا ينتهض سببا لحكم شرعي، فلا تثبت المصاهرة بالزنا ولا الملك بالغصب، ولا الترخص للعاصي بسفره، ولا الملك للكافر باستيلائه.
تنبيه:
وعلى أصلنا إذا باع بخمر فسد، لا لخلل في ركن البيع ومحله، بل في الثمن الذي هو تابع وهو كونه مالا غير متقوم وكان ذكره مفيدا لإيجاب القيمة لا العين فانعقد بأصله دون وصفه. وكذلك لو باع الخمر بعبد لا بنقد لأن المبيع في المعاوضة ثمن من وجه، وفي النقد مبيع مطلقا فلم يصح إيراد العقد على الخمر مقصودا، وصوم العيد حسن لأنه صوم، وقبيح لوقوعه في العيد، فصح النذر به لكونه طاعة، ووصف القبح من لوازم الفعل لا الاسم ولم يلزم بالشروع لاتصال الأداء بالعصيان والصلاة في الوقت المكروه حسنة لذاتها والوقت صحيح، والفساد في وصفه للنسبة إلى الشيطان
[ ٢ / ٤٢١ ]
والوقت سبب وظرف فأثر نقصانه في نقصانها فلم يتأد بها الكامل، وضمنت بالشروع، ولما كان وقت الصوم معيارا لم يضمن به، والصلاة في المكان المغصوب والبيع وقت النداء كذلك، ولا يلزم بيع الحر والمضامين والملاقيح لعدم تصور الانعقاد أصلا للإضافة إلى غير المحل، والنكاح بغير شهود منفي لا منهي، والفرق أن الأول إعدام شرعي ينبني عليه الامتناع، والثاني طلب امتناع ينبني عليه العدم فلم يكن مشروعا مطلقا، ولأن ملك النكاح لا ينفصل عن الحل والنهي محرم فبطل العقد للمضادة، والحل في البيع منفصل عن الملك فلا تضاد والاستيلاء منهي لعصمة المحل عندنا بناء على الحكم وهو منقطع عن الكفار، ولتناهي العصمة بتناهي سببها وهو الإحراز بدارنا، والملك في الغصب ثابت شرطا لحكم الضمان المشروع جبرا، وهو يعتمد فوات ملك الأصل، وشرط الحكم يحسن بحسنه تبعا وإن قبح مقصودا، والزنا لا يحرم بنفسه بل لأنه سبب للولد الذي هو الأصل في ذلك ولا معصية فيه، ثم يتعدى إلى أسبابه فتقوم مقامه فاعتبر مجرد السببية دون وصف الحرمة. ونفس السفر حسن والقبح في القصد المجاور له والرخصة معلقة به لا بما قصد به.
مسألة:
النهي يقتضي الانتهاء دائما خلافا
[ ٢ / ٤٢٢ ]
لشواذ، لنا أنه يعد فاعل من نهى عن فعل مجردا عن قرينة مخالفا في أي وقت فعله، قالوا: للدوام كالنهي عن الزنا، ولغيره كنهي الحائض عن الصلاة، فكان للقدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز، قلنا عدم الدوام لقرينة ولو لزم المجار، فكونه للدوام حقيقة أولى لإمكان التجوز به عن البعض بخلاف العكس