فالأمر، وغيره من الخطابات، إذا قيد بالشرط [فإنه] يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه.
ولو علمنا ثبوت الحكم فيما عداه، على كل حال، مع فقد الشرط، علمنا أن ذلك ليس بشرط، ولكنه قد يجوِّزونه.
وحكى هذا المذهب عن الشيخ أبي الحسن الكرخي ﵀: فإنه منع جواز القضاء بشاهد، لن الشاهد الثاني شرط.
[ ١٢٠ ]
وذهب بعض الناس إلى أنه لا يدل على ذلك.
دليلنا في ذلك:
- أن قول القائل لغيره: "ادخل الدار إن دخلها عمرو" معناه: شرط دخولك الدار دخول عمرو الدار، لأن كلمة "إن" موضوعة للشرط. ولو قال ذلك، علمنا أنه لم يجب عليه الدخول مع فقد دخول عمرو الدار- كذا هذا. وتحقيقه هو أن المفهوم من الشرط هو ما يتوقف الحكم على وجوده. فلو ثبت الحكم مع فقده على كل حال، لجاز أن يجعل كل شيء شرطًا في كل شيء، حتى جاز أن يكون دخول زيد الدار شرطًا لكون السماء فوقنا، مع أنه موجود قبله، وذا لا يجوز.
فإن قيل: قول القائل: "ادخل الدار إن دخلها عمرو" تقديره: دخولعمرو شرط دخولك، لا أن: شرط دخولك دخول عمرو، وفرق بين الكلامين: فقولنا "شرط دخولك دخول عمرو" يفيد أن لا شرط سواه كقول القائل: "مفتي البلدة فلان" هذا ينفي كون غيره مفتي البلدة، وقولنا: "دخول عمرو شرط دخولك" يفيد أنه شرط، ولا ينفي كون غيره شرطًا، كقول القائل: "فلان مفتي هذه البلدة" لا ينفي كون غيره مفتي هذه البلدة، فإذا كان كذلك، لا ينفي الحكم عند فقده- دلَّ عليه أن قول القائل لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت طالق" هذا لا ينفي الطلاق قبل دخول الدار، حتى لو نجَّز الطلاق أو علق بشرط آخر لا يكون تناقضًا منه، ولو كان نافيًا للحكم قبله لكان تناقضًا، كما لو صرح بالنفي عند فقد الشرط- قلنا: لا فرق
[ ١٢١ ]
بين تقديم لفظ الشرط وتأخيره في توقيف الحكم على ما جعل شرطًا له، فقولنا: "شرط دخولك الدار دخول عمرو" كما اقتضى توقيف دخوله على دخول عمرو، وكذا قولنا: "دخول عمرو شرط دخولك الدار" يقتضي ذلك أيضًا إذا كان هو الشرط، إلا أن اللفظ الأول يقتضي تعينه شرطًا، واللفظ الثاني لا يقتضي تعينه شرطًا. أما على تقدير كونه شرطًا، دون غيره، فالحكم انتفاء الحكم عند فقده على ما مرَّ. وعندنا تعليقه الحكم بالشرط ينفي الحكم عند فقده إن كان هو الشرط، أما أنه لا ينفي اشتراط شرط آخر، وتعلق الحكم بهما جميعًا، أو بكل واحد منهما، ويقوم الشرط الثاني مقام الأول، فيقف الحكم عليهما، أو على كل واحد منهما، على البدل- على ما نذكره.
وأما إذا علَّق الطلاق بالدخول ثم نجز: [فـ] إن كان المنجز واحدة أو اثنتين، بقي التعليق والحكم المعلق به، والمنجز غير المعلق، حتى لو تزوجها ودخلت الدار يقع الطلاق. وإن كان المنجز ثلاثًا: فعند الشافعي ﵀: كذلك المنجز غير المعلق، حتى بقي المعلق موقوفًا على دخول الدار، فإذا تزوجت بزوج آخر، وعادت إليه ودخلت الدار، يقع المعلق به. وعندنا: يبطل التعليق بتنجيز الطلاق الثلاث، ونعد ذلك نقضًا وفسخًا لذلك التعليق، ولهذا قلنا: التنجيز يبطل التعليق، نفيًا للمعلق، قبل الشرط من هذا الوجه.
- دليل آخر- ما روى عن يعلي بن أمية أنه سأل عمر بن الخطاب ﵁ فقال: "ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمِنَّا"، فقال عمر ﵁: لقد تعجَّبتُ مثلما تعجبتَ، فسألتُ رسول الله ﷺ فقال: هذه صدقة تصدَّق
[ ١٢٢ ]
الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته". فلولا انهما عقلًا أن المفهوم من التعليق ما ذكرناه، لم يكن لتعجبهما معنى.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون تعجبهما لما أنهما عقلا من الآيات الواردة في وجوب إتمامها، وأنَّ حال الخوف مستثناة عنها، فإذا زال الخوف بقي على الأصل- قلنا: الآيات الواردة في وجوب الصلاة لا تتعلق بالإتمام، ولا كان الأصل فيها الإتمام، لما رُوى عن عائشة ﵂ أنها قالت: "الصلاة في الأصل ركعتان زيدت في الحضر، وأُقرت في السفر"، وإذا بطل أن يكون الأصل في الصلاة الإتمام، لم يكن تعجبهما إلا لما ذكرنا.
فإن قيل: لو كان التعليق بالشرط يمنع من ثبوت الحكم مع فقده، لما جاز القصر مع زوال الخوف، لأن القصر معلق به- يقول تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ - قلنا: ظاهر الشرط يمنع من ذلك، إلا أنه لا يمتنع قيام الدلالة على خلاف الظاهر، كما لا يمتنع قيام الدلالة على خلاف ظاهر العموم.
وأما من ذهب إلى أنه لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه:
استدل بأن قال: يجوز أن يكون في التقييد فائدة أخرى غير نفي الحكم عما عداه، نحو أن يقول تعالى: "ضحُّوا بالشاة إن كانت عوراء" إذا كان في علم الله تعالى أنه لو أطلق الكلام لتوهَّم مُتوهِّم أن العوراء غير داخل تحت الأمر، فقيد الأمر به لإزالة الإيهام. وإذا جاز ذلك، فالتقييد بالشرط لا يدل
[ ١٢٣ ]
على انتفاء الحكم عما عداه- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾: قيد النهي عن الإكراه على البِغاء بشرط إرادة التحصين، ثم حرمة الإكراه لا تتوقف على إرادة التحصين.
والجواب:
إنا لا نقول إن انتفاء الحكم عما عداه من جهة أنه ليس في التقييد فائدة أخرى سوى انتفاء الحكم عما عداه، ليبطل كلامنا بإبرازه فائدة أخرى، بل نقول بانتفائه من جهة اللفظ، لأن كلمة "إن" جارية مجرى قول القائل: "الشرط في الحكم كذا وكذا" والمفهوم من الشرط توقيف الحكم على وجوده، فلو ثبت الحكم مع فقده، لم يكن الحكم موقوفًا عليه وبطل كونه شرطًا.
وأما قوله: إن الله تعالى قيد الإكراه على البغاء بشرط إرادة التحصين- قلنا: لا نقول إن أرادة التحصين شرط إلا أن الله تعالى ذكره، لأن الإكراه في العادة عند إرادة التحصين، فكما تخصص الإكراه على البغاء عند إرادة التحصين، خصَّ الله تعالى النهي عنه به، فثبت أن تقييد الحكم بالشرط ينفي الحكم عما عداه، لكنه لا يمنع كون غيره شرطًا، ولا غقامة شرط آخر مقامة. وكون الشرط نافيًا للمشروط بدونه وعند فقد غيره، وكونه نافيًا لكون غيره شرطًا- غير. فلو دلَّ الدليل على ثبوت شرط ثانٍ، علمنا بانتفاء الحكم مع فقدهما، وإذا لم يدل الدليل على ذلك وقطعنا أنه لا شرط إلا الأول، قضينا بانتفاء الحكم مع فقده.
وإنما قلنا: إنه لا يمنع من إقامة شرط آخر مقامه، لأنه ليس في اللفظ ذكر نفي شرط آخر، فإن قوله: "أعط زيدًا درهمًا إن دخل الدار" ليس في اللفظ
[ ١٢٤ ]
ذكر نفي شرط آخر، وما لا ذكر له في اللفظ لا يتعرض له الكلام، لا ينفي ولا بإثبات.
فإن قيل: الشرط مانع من ثبوت الحكم مع فقده، وإذا ثبت شرط ثانٍ يثبت الحكم مع وجوده عند فقد الأول، فلو كان الشرط مانعًا ثبوت الحكم مع فقده، لوجب أن يكون مانعًا من ثبوت ما يؤدى إلى ثبوت الحكم مع فقده- قلنا: الشرط مانع ثبوت الحكم مع فقده إذا كان هو الشرط وحده، أما إذا كان معه شرط آخر على الجمع، فقضيته انتفاء الحكم عند فقد كل واحد منهما، فتقرر كون كل واحد منهما شرطًا، ولا يثبت الحكم مع فقده أصلًا، ولو كان معه شرط آخر على البدل، فقضيته انتفاء الحكم عند فقدهما، وثبوت الحكم عند كل واحد منهما، فثبت أنه لا مناقضة بين قولنا الشرط مانع من ثبوت الحكم عند فقده وبين إقامة شرط آخر مقامه- والله أعلم.