اعلم أن الحقيقة- هي ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع فيه التخاطب.
وإنما حدَّدنا الحقيقة بهذا ليدخل فيه جميع أقسام الحقيقة، لأن الحقيقة قد تكون لغوية، وقد تكون عرفية، وقد تكون شرعية. فاللفظ إذا أفيد به معنى وضع له في اللغة فإنما يكون حقيقة في ذلك. [أي] لو كان الاسم في مخاطبات الناس يُستعمل بناء على مواضعه أهل اللغة. أما إذا كان الاسم في مخاطبات الناس يُستعمل بناء على مواضعة أهل الشرع، [فـ] لا يكون حقيقة في ذلك المعنى، بل في المعنى الثاني، وهو ما تواضع عليه أهل الشرع.
وأما المجاز- فهو ما أفيد به معنى مصطلحًا عليه، غير ما اصطلح عليه في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب فيه.
وقيل: إن الحقيقة هي ما أُفيد بها ما وثَعت له، والمجاز غير ما وُضع له. وهذا غير صحيح، لأنه: يقتضي أن اسم الصلاة إذا استعمل في اصطلاح أهل الشرع وأريد به الدعاء، دون الأركان المعهودة، يكون حقيقة، لأنه أُفيد به ما وضع له في الجملة، أعني بمواضعة أهل اللغة، وليس كذلك.
[ ١٥ ]
وبمقتضى أيضًا أن من أطلق اسم السماء على الأرض ودل على مراده فقد تجوز به، لأنه أُفيد به غير ما وضع له، وهذا بعيد.
وقال بعضهم: الحقيقة هي ما انتظم لفظه معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل عن موضوعه. والمجاز ما انتظم لفظه معنا، إما لزيادة أو نقصان أو نقل عن موضوعه. أما الذي لا ينتظم لفظه معناه لزيادة -[فـ] هو ما انتظمه إذا أسقطت الزيادة- مثاله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والكاف هنا زائدة، فإذا أسقطناها صار الكلام منتظمًا معناه. وأما الذي لا ينتظم لفظه معناه لنقصان-[فـ] هو ما انتظمه إذا زيد في الكلام ما نقص عنه- مثاله قوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ فإذا زدنا "الأهل" في الكلام صار الكلام منتظمًا معناه. ومثال النقل- قول القائل: "رأيت الأسد" وهو يعني به الشجاع -إلا أن هذا غير صحيح، لأن لاذي لا ينتظم لفظه معناه لزيادة أو نقصان ففيه نقل أيضًا، فلا معنى لجعلهما قسمين آخرين- بيانه: إن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ظاهره يقتضي نفي مثل المثل، وذلك غير مراد، إنما المراد نفي المثل، فصار الكلام منقولًا عن معناه إلى معنى آخر. وكذلك قوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ ظاهره يقتضي السؤال عن الحيطان
[ ١٦ ]
والجدران، وذلك غير مراد، إنما المراد هو السؤال عن الأهل، فصار الكلام منقولًا عن معناه إلى معنى آخر.
* * *
إذا عرفنا حدَّ الحقيقة والمجاز -[فـ] لا بد من بيان أقسامهما، فنقول:
الحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حقيقة لغوية، وحقيقة غرفية، وحقيقة شرعية. وكل ذلك داخل تحت الحدِّ الذي ذكرناه. لن اللفظ إذا أُفيد به معنى: إن أُفيد بمواضعة أهل اللغة سمَّيناه حقيقة لغوية، وإن أُفيد به بمواضعة أهل الشرع سمَّيناه حقيقة شرعية.
وكذلك المجاز، لأن المجاز قد يكون في اللغة، وقد يكون في العرف، وقد يكون في الشرع.
والله أعلم.
* * *