[اسم العموم إذا وقع على الأسماء والألفاظ ما الذي يفيده؟]
فقد اختلفوا فيه:
قال بعضهم: معنى العموم هو الاشتراك في أصل الشمول، والعام هو اللفظ المتناول لشيئين فصاعدًا- وهو قول الأشعري.
[ ١٥٨ ]
وقال بعضهم: معنى العموم هو الاستيعاب والاستغراق.
واختلف هؤلاء في حد العام:
قال بعضهم: هو اللفظ المتناول لجميع ما يصلح له.
وقال بعضهم: هو اللفظ المتناول لجميع ما وضع له.
وهذه الأقاويل غير صحيحة:
- أما قول الأشعري- فلأن ينتقض بلفظ التثنية والجمع، فإنه يفيد الاشتراك في أصل الشمول، ولا يقال إنه عام، بل يسمى تثنية وجمعًا. فإن قال بأنه تثنية وجمع وعام أيضًا- قلنا: أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع والعام، بالاسم، فيجب الفصل بين معانيها والاختلاف بينها، على ما هو قضية الأصل.
- وأما قول من قال: إنه اللفظ المتناول لجميع ما يصلح له- فباطل أيضًا، لأن اللفظ يصلح للحقيقة والمجاز، فوجب أن لا يكون عامًّا إلا بتناولهما جميعًا. وفيه نفي العموم أصلًا، لأن اللفظ الواحد لا يتناول المجاز والحقيقة معًا. فإن قيل: الحد صحيح، لأن اللفظ الذي يتناول الحقيقة لا يصلح أن يكون متناولًا للمجاز في تلك الحالة فقد تناول جميع ما يصلح له- قلنا: الشرط هو أن يتناول جميع ما يصلح له على البدل لا على الجمع، ولا يلزم أن يكون لفظة التثنية ولفظة العشرة عامًّا، لأنه يتناول جميع ما يصلح له على التقدير الذي ذكرتم، فإن لفظة التثنية ولفظة العشرة عامًّا، لأنه يصلح لهذين ولهذين على الجمع، ولفظة العشرة لا تصلح لجنس العشرات على الجمع، لكن لما كان يصلح للكل على البدل ولم يتناول الكل، لا يكون عامًّا مع تناوله جميع ما يصلح له في هذه الحالة.
إذا ثبت هذا، نقول: اللفظ العام المتناول للحقيقة يصلح متناولًا للمجاز على البدل، فيشترط تناولهما، لكونه عامًّا، وإنه باطل على ما ذكرنا.
- وأما قول من قال بأنـ[ـه] اللفظ المتناول لجميع ما وضع له- فباطل،
[ ١٥٩ ]
لأنه يقتضي أن اللفظ إذا استعمل بطريق المجاز أفاد جميع المسمى بذلك الاسم، [و] لا يكون عامًّا، لأنه لم يتناول شيئًا مما وضع له، فضلًا عن الجميع- والأمر بخلافه.
إذا ثبت بطلان هذه الأقاويل-[فـ] نقول:
المذهب المختار أن "العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح أن يتناوله بالجهة التي وقعت متناولًا لما تناوله". كقولنا "الرجال": فإنه يتناول جميع ما يصلح من الرجال:
- وقولنا "المستغرق لجميع ما يصلح أن يتناوله" تحرز عن التثنية والجمع، فإن لفظة التثنية تصلح لهذين ولهذين ثم لا تستغرق الكل. وكذا اسم "العشرة" يصلح لجميع العشرات ثم لاي ستغرق جميع العشرات.
- وقولنا "بالجهة التي وقعت متناولًا لما تناوله" أعني جهة الحقيقة أو جهة المجاز، كي لا يلزمنا تناوله الحقيقة والمجاز جميعًا، ليكون عامًّا، بل إذا تناول كل ما يصلح له بطريق الحقيقة كان عامًّا، وإذا تناول كل ما يصلح له بطريق المجاز كان عامًّا.
فسلم هذا الحد عما ذكرنا من النقوض في الأقاويل الأخر.
وأما أسماء النكرات- كقولنا "رجل" فإنه عام من حيث البدل، دون الجمع. فالحد لا يتناولـ[ـه] من حيث إنه يصلح لهذا ثم يستغرق الكل.
[ ١٦٠ ]
ويتناوله من حيث إنه يتناول الكل على البدل ولا يقف تناوله على واحد بحيث لا يتعدى إلى غيره- والله أعلم.