- وهي تستعمل للجمع والاشتراك فقط، كقولك "رأيت زيدًا وعمرًا": أفاد أنهما اشتركا في الرؤية.
- وقد تستعمل للاستئناف، كما في قوله تعالى: ﴿ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَاّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ﴾ إذا وقع الابتداء بقوله: "والراسخون".
- وقد تستعمل لتحسين النظم وتزيين الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وهَارُونَ الفُرْقَانَ وضِيَاءً﴾ أي ضياء. وليس هو للابتداء وللعطف، بل هو وصف القرآن بكونه ضياء. وقد يسميه بعض أهل اللغة "واو لغو"، لكنا كرهنا ذلك، لكونه مستعملًا في القرآن.
- وقيل: إنه قد يكون بمعنى "أو" كما في قوله تعالى: ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ ومعناه: أو ثلاث أو رباع. إلا أنا نقول إنه للجمع في هذا الموضع، لأن الله تعالى وصف جنس الملائكة بأنهم أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فاقتضى أن يكون البعض على الصفة الثانية والبعض على الصفة الثالثة،
[ ٣٩ ]
فأفاد الجمع أي اجتمع ذلك في كل الملائكة، ولا خلاف في كل الملائكة، إنما الخلاف في أن الواو العاطفة في الأصل لأي معنى؟ .
فعندنا- للجمع المطلق من غير التعرض للترتيب والقران.
وقال بعض الشافعية- إنها للترتيب.
دليلنا في ذلك: أن من قال لغيره "رأيت زيدًا وعمرًا"- هذا لا يفيد تقديم رؤية زيد. على رؤية عمرو- ألا ترى أنه لو قال "وعمرًا بعده" أفاد فائدة مجددة. ولأنها لو أفادت الترتيب لكان قوله "رأيت زيدًا وعمرًا قبله- أو معه" مجازًا أو مناقضة من الكلام، كقول القائل: "رأيت زيدًا ثم عمرًا معه- أو قبله"، وأهل اللغة لم يجعلوا هذا مجازًا من الكلام ولا مناقضة، فدل أنها لا تفيد الترتيب.
دليل آخر: إن أهل اللغة قالوا إن واو العطف في الأسماء المختلفة يجري مجرى واو الجمع وياء التثنية في الأسماء المتفقة. لنهم متى لم يتمكنوا من الجمع في الأسماء المختلفة بواو الجمع استعملوا واو العطف ليفيد الجمع والاشتراك. ثم قول القائل: رأيت الزيدين" أو "جاءني الزيدون" لا يقتضي الترتيب بل يقتضي الاشتراك والجمع المطلق، فكذا قوله: "رأيت زيدًا وعمرًا وبكرًا وخالدًا" يفيد ذلك أيضًا.
فإن قيل: لا يمتنع أن تكون الواو العاطفة تجري مجرى واو الجمع في إفادة الجمع والاشتراك، ثم تختص بإفادة الترتيب، كـ- ثم والفاء: فإنهما يجريان مجرى واو الجمع في إفادة الجمع، ثم يختصان بزيادة فائدة وهو الترتيب- قلنا: أهل اللغة خصوا الواو العاطفة في أنها تجري مجرى واو الجمع، ولو كانت مفيدة للترتيب، كـ- ثم والفاء، لقالوا ذلك في: ثم والفاء، ولما قالوا ذلك في الواو دون ثم والفاء- عرفنا أنه يفيد الاشتراك فقط.
والذاهبون إلى الترتيب قالوا: إن قالوا القائل: "رأيت زيدًا وعمرًا" يفيد تقديم رؤية زيد على رؤية عمرو أولًا، لما بدأ بالإخبار برؤية زيد.
[ ٤٠ ]
دل عليه قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ للترتيب. فعلم أن الواو في الأصل للترتيب.
والجواب:
أما الأول- قلنا: هذا يقتضي أن يكون الترتيب مستفادًا بالبداية بالإخبار برؤية زيد لا بحرف الواو، والكلام فيه. ولأنه يلزم هذا القائل أن قول القائل "رأيت زيدًا. رأيت عمرًا" يفيد الترتيب. ثم نقول: لا يمتنع أن يكون غرضه الإخبار برؤية زيد ثم بدا له أن يخبر برؤية عمرو فأخبر به، أو يحتمل أنه بدأ بافخبار برؤية زيد لمحبته. أو لأن اهتمامه بافخبار برؤية زيد أشد. أو لأن اهتمامه بافخبار برؤيتهما على السواء، إلا أنه بدأ بما اتفق.
وأما الثاني- قلنا: استفدنا الترتيب في هذه المواضع بدلالة منفصلة- وهو بيان النبي ﵇ قولًا وفعلًا. وكذا في السعي بين الصفا والمروة، فإن الصحابة ﵃ أشكل عليهم ذلك، فسألوا رسول الله ﷺ فقال: "أبدؤوا بما بدأ الله تعالى". وهذا دليلنا، لن الواو لو كان للترتيب لما أشكل عليهم ذلك.