[(١) في اسم الجمع المشتق وغيره إذا دخله الألف واللام، كقولنا: "المشركون" و"الناس"]:
ذهب عامة الفقهاء وبعض المتكلمين إلى أنه يقتضي الاستغراق.
وقال بعض المتكلمين: إنه إذا تجرد يتناول الثلاث فصاعدًا.
[ ١٧٧ ]
والدلالة على صحة المذهب الأول أن قول القائل "رأيت الناس كلهم" فـ "كلهم" فيه للتأكيد- هكذا قاله أهل اللغة. وإنما يكون للتأكيد إذا كان قوله "رأيت الناس" مقتضيًا للاستغراق، لأن التأكيد تقرير للمؤكد، وإنما يكون تقريرًا له إذا كان مطابقًا لقضيته.
فإن قيل: لم قلت بأن وصف ذلك بأنه تأكيد، قول لجماعتهم، حتى يكون حجة؟ ولئن ثبت ذلك، فإنما وصفه بأنه تأكيد، لأن قوله "رأيت الناس" يصلح للكل والبعض، فإذا قال: "رأيت الناس كلهم" تبين أنه أراد به الكل، وأكد إرادته بكلمة "كل"- قلنا:
أما الأول- فالنقل عن أئمة اللغة ثابتة مطلقًا، ولو كان فيهم من يصف ذلك، بأنه ليس بتأكيد، بل هو بيان، لنقل إلينا، كما هو عادة النقلة، ولما لم ينقل- عرفنا أن ذلك قول لجماعتهم.
وأما الثاني- فباطل أيضًا، لأنه يقتضي أن كل ما دل على الشيء يكون مؤكدًا، وإنه باطل. ولأن ذلك لو كان بيانًا لأحد المحتملين، يسمى بيانًا، لا تأكيدًا، كقولنا "شفق": لما كان محتملًا للبياض والحمرة فقول القائل "رأيت الشفق الذي هو البياض" يكون بيانًا لأحد المحتملين، لا تأكيدًا، لأن التأكيد تقرير المؤكد، والبيان كشف المراد- وحيث اتفقوا على حُسْن التأكيد بهذا الكلام، دل على أنه موضوع للاستغراق.
دليل آخر: إن قول القائل "رأيت الناس" يصح أن يستثنى منه أي رجل شاء، وهذا دليل الاستغراق، لما مر، فيما تقدم.
دليل آخر: إن الألف واللام إذا دخلا في الاسم، صار الاسم معرفة- كذا نقل عن أئمة اللغة، فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة، وإنما يحصل
[ ١٧٨ ]
معنى المعرفة، عند إطلاقه، بالصرف إلى الجنس، لأن كل الجنس معلوم للمخاطب، فأما الصرف إلى ما دونه، [فـ] لا يفيد المعرفة، لأن بعض الجموع ليس بأولى من البعض، فكان مجهولًا.
فإن قيل: إذا أفاد جمعًا من هذا الجنس، فقد أفاد تعريف هذا الجنس وتمييزه عن أجناس أخر، فيحصل معنى المعرفة، فلا حاجة إلى الصرف إلى كل الجنس- قلنا: هذه الفائدة حاصلة بدون الألف واللام، فإنه لو قال "رأيت رجلًا" يفيد تعريف هذا الجنس وتمييزه عن غيره، ولا يسمى اسم معرفة، فدل للألف واللام فائدة زائدة في التعريف، وليس ذلك إلا الاستغراق.
ودليل آخر: إن الجمع المعرف بالألف واللام، في اقتضاء الكثرة، فوق الجمع المنكر، حتى صح انتزاع الجمع المنكر من الجمع المعرف، ولا يصح على العكس، فإنه يصح أن يقال "رجال من الرجال" ولا يصح أن يقال "الرجال من رجال"، ومن المعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع. إذا ثبت هذا [فـ] نقول: هذه الكثرة إما أن تكون هو الكل أو ما دون الكل: لا وجه للثاني، لأن ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من هذا اللفظ، وقد ذكرنا أن المنتزع منه يجب أن يكون أكثر، ومتى بطل كونه موضوعًا لما دون الكل، كان موضوعًا للكل ضرورة.
وأما المخالف فقد احتج في المسألة بأن قال: إن قول القائل "جمع الأمير الصَّاغة" لا يعقل منه أنه جمع صاغة الدنيا، وإنما يعقل منه أنه جمع البعض من هذا الجنس دون غيرهم.
[ ١٧٩ ]
والجواب- أن ظاهر اللفظ يقتضي أنه جمع صاغة بلده ومن عداهم، إلا أنه إنما يثبت ذلك لتعذر الجمع. وعلى أنا لنزمهم جواز الحمل على الكل وصلاحية الصرف إلى الكل، فإن عندهم جواز الحمل عليه غير ثابت مع احتمال اللفظ عندهم، فإن قالوا: إنما لم يثبت ذلك لقرينة، وهو تعذر الجمع- فنحن نجيبهم بمثل ذلك.
وشبهة أخرى: أن لام الجنس لو كان موضوعًا للاستغراق، لكان إذا استعمل في المعهود يكون مجازًا، لأنه استعمل في بعض الجنس، وحيث لم يكن مجازًا، علم أنه غير موضوع للاستغراق.
والجواب:
[الأول:] إنما لم يكن ذلك مجازًا، لأن لام الجنس وضع في الأصل للتعريف، كما ذكرنا، فينصرف إلى ما السامع به أعرف. فإن كان هناك معهود فالسامع به أعرف، فانصرف إليه. وإن لم يكن هناك عهد كان السامع بالجنس أعرف، فانصرف إليه، وجرى هذا مجرى قول القائل "من عندك؟ " كان استفهامًا عن كل عاقل عنده: فإن كانوا كثرة كان استفهامًا عن الكل، وإن كانوا قلة كان استفهامًا عنهم، ولا يكون مجازًا- فكذا هذا.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون هذا الاسم مشتركًا بين الجنس والمعهود- قلنا: إنما يكون مشتركًا إذا كان معناهما متباينًا مختلفًا، كما في اسم "العين" و"القرء"، و[هنا] معنى اللفظ في الموضعين واحد، وهو التعريف على ما مرَّ.
[ ١٨٠ ]
والثاني: لا يمنع أن يقال: إذا أريد به العهد، كان مجازًا فيه. لأنه لا يحمل عليه إلا بقرينة، وهي العهد بين المتخاطبين، وهذا أمارة المجاز. فأما الصرف إلى الجنس فلا يحتاج فيه إلى قرينة، بل عند الإطلاق والتجريد عن القرائن، ينصرف إليه.
[(٢) اسم الجمع المضاف بدون الألف واللام]:
هذا الكلام في الجمع المعرف بالألف واللام، وأما اسم الجمع المضاف بدون الألف واللام، كقول القائل "ضربت عبيد فلان" فإنه يقتضي الاستغراق أيضًا. بدلالة صحة تأكيده بكلمة "كل" و"جميع" بأن يقول "ضربت كل عبيدك" و"جميعهم"، بدلالة صحة الاستثناء على ما قررنا. ولأن الإضافة للتعريف كلام الجنس، فيفيد ما أفاده لام الجنس.
وأما الثاني: