نبين عنى اللغة، ومعنى الكلام، واللفظ، والنطق- أولصا، فنقول:
اللغة- اسم لضرب مخصوص من ترتيب الحروف الدالة على المعاني، بحكم الوضع.
وإنما شرطنا كونها حروفًا ودلالتها بحكم الوضع، لأن الضحك والبكاء يدلان على الحزن والفرح، وصياح الديك يدل الدجاجة على استدعائها لالتقاط الحب، ولا يسمى ذلك لغة.
إذا ثبت هذا-[فـ] نقول: اختلاف اللغات من التركية والهندية والعربية باختلاف ترتيبها، فإن أهل كل لغة رتبوا عين هذه الحروف، لكن ترتيبًا مخالفًا للآخر، وتركيبًا مباينًا لتركيب الآخر.
وأما الكلام- فهو مأخوذ من الكلم، وهو الجرح الذي يؤثر في نفس المجروح، ومن كلم غيره فقد أثر في قلبه بتفهيم غرضه، فيسمى ذلك كلامًا.
وأما اللفظ -فأصله الرمي- يقال: "لفظت الناقة" إذا رمت من فيها ما التقمت من الحشيش، ويقال: "لفظ البحر بالجيفة" إذا رمى بها. فالواحد منا إذا تكلم فكأنه يرمي، فسمى قوله "لفظًا". وأما كلام الله تعالى، فلا يوصف به على الحقيقة، إلا أنه اشتهر في العرف إطلاق اسم اللفظ على القول، حتى لا يفهم منه سواه، فيصح قول القائل: "لفظ الآية كذا" و"لفظ القرآن كذا".
[ ٣٤ ]
وأما النطق- فهو إحكام العبارة. سميت المِنْطَقة بها، لأن الرجل يشد بها وسطه ويُحكمه. وهذا يتحقق في القول الصادر عن الله تعالى، إلا أنا لا نطلق ذلك عليه، لعدم التعبد به والاستغناء عنه.
* * *
إذا ثبت هذا-[فـ] نقول:
اختلف الناس: أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟
قال بعضهم: إنها كلها اصطلاحية.
وقال بعضهم: إنها كلها توقيفية.
وقال بعضهم: بعضها توقيفية، وبعضها اصطلاحية.
فالأولون- ذهبوا في ذلك إلى التعلق بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: أخبر ان الأسماء كلها تعليم لآدم ﵇ من الله تعالى. ولأن الاصطلاح على إبانة معنى بلفظ، من غير تقدم لغة، محال.
وأما الفريق الثاني-[فـ] ذهبوا في ذلك إلى التعلق بقوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ - وهذا يستدعي سابقة الاصطلاح على لغة، لأنه لو أخذت الأسامي سماعًا من الرسول لم يتحقق مجئ الرسول بلسانهم،
[ ٣٥ ]
ولأنه لو لم يكن لهم لغة يتفاهمون بها لا يفهمون قول الرسول، فلا يفيد إرسال الرسول إليهم.
وأما الفريق الثالث-[فـ] ذهبوا في ذلك إلى أن قدرًا منه يحتاج إليه بالتوقيف ليحصل البنية، والبحث على الاصطلاح. وكان ذلك توقيفًا، والثاني بعده اصطلاحًا.
هذا بيان الأقاويل- ونحن نقول:
الكلام في ذلك: إما أن يقع في الجواز، أو الوقوع.
أما الجواز- فكل هذه المذاهب في حيز الجواز، والإمكان:
أما الأول- فلأن من الجائز أن يخلق الله تعالى الأصوات والحروف، بحيث يسمعها واحد أو جماعة، ويخلق فيهم العلم الضروري: أنه قصد به الدلالة على المسميات.
وأما الثاني-[فـ] بأن يجمع الله تعالى دواعي جماعة يصطلحون عليه. وطريق ذلك أن يركب هذه الحروف، ويؤلف العبارات، ويريد به معنى، ويعرف المخاطب بالإشارة معها أو بتكرار اللفظ، كما يفعل الوالدان بالولد الطفل، وكما يفعله الأخرس بإعلام ما في ضميره بالإشارة وغير ذلك.
وأما الثالث- فإذا ثبت جواز كل واحد من هذين القولين، [فقد] ثبت جواز الثالث، لأنه مشتمل عليهما.
هذا هو الكلام في الجواز.
[ ٣٦ ]
وأما الكلام في الوقوع- فالصحيح أن لا يحكم بواحد من الأقاويل في ذلك، لأنه لا يعرف إلا بنقل متواتر أو مشهور، ولم يوجد.
وأما الآية التي تعلق بها الفرق الأول-[فقد] اختلف أهل التأويل في تفسيرها:
قال بعضهم: المراد من الأسماء المسميات، يعني: علمه حقائق الأشياء وخواصها.
وقال بعضهم: المراد منه أسماء أجناس الحيوان من الجن والإنس وغيرهما- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقال بعضهم: المراد منه أسماء الملائكة.
ثم نقول: يحتمل أن المراد إلهامه وتحريك دواعيه إلى وضع الأسماء والهداية إلى اصطلاحها. فيضاف ذلك إلى الله تعالى بجهة التعليم. ولئن كان ذلك تعليمًا للأسامي حقيقة، لكن يحتمل أنها كانت موضوعة باصطلاح من قبله من الملائكة والجن، فعلمه الله تعالى ذلك.
وأما الآية التي تعلق بها الفريق الثاني -[فـ] قلنا: المراد منها -والله أعلم- رسول أرسل إلى قوم لهم لسان وتقدم لغة، وتقديره: إلا بلسان قومه إن كان لهم لسان. ولأن المراد منه الرسل بعد آدم ﵇، ليكون في كل زمان قوم يرسل إليهم. وأما آدم ﵇، [فـ] حين خلق لم يكن له قوم، وبعد زمان آدم ﵇ ثبتت اللغات، إما توقيفًا أو اصطلاحًا -والله أعلم.
[ ٣٧ ]