اعلم أن الأمر المقيد بالعدد، نحو حد القذف بالثمانين وحد الزنا بالمائة، لا يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه- وهذا عند أكثر الناس.
وذهب بعضهم على أنه يدل على ذلك.
واستدلوا في ذلك بأنه: لو كان الحكم فيما عدا المذكور ثابًا موافقًا للحكم في المذكور، لم يكن للتقييد بالعدد معنى وفائدة. ولأن التقييد بالعدد تقدير للحكم بهذا المقدار، فلو ثبت الحكم فيما زاد عليه لبطل التقدير- دلَّ عليه أن النبي ﵇ عقل من قوله تعالى: ﴿إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أن الحكم فيما عدا السبعين بخلافه، حتى قال: "لأزيدنَّ على السبعين". وكذا الأُمَّةُ: علمت ظر جلد الزاني فيما زاد على المائة حتى حكموا به.
وجه ما ذهب إليه الأكثرون-[الأول]: أنه يجوز أن يكون الحكم فيما زاد على العدد المذكور ثابتًا على موافقة المذكور في العدد، والتقييد بالعدد لفائدة أخرى، وراء انتفاء الحكم عما عداه. وإذا جاز ذلك لم يدل التقييد بالعدد إليه. وفي هذا جواب عن كلامه الأول. والثاني- أن ثبوت الحكم فيما زاد على العدد والمقدار منه، والتخصيص لفائدة أخرى.
[ ١٢٦ ]
وأما قوله بأن النبي ﵇ علم من الآية ذلك- قلنا: إنما علم ذلك بالبقاء على حكم الأصل، لا بتخصيص السبعين بالذكر، لأن الأصل جواز العفو والغفران، إلا أن المنع من ذلك يتقيد بالسبعين، فما زاد عليه، [بقى] على حكم الأصل. وكذا الأمَّة: إنما علمت حظْر الجلد بالبقاء على حكم الأصل، لأن الأصل حظر الجلد، إلا أن الإباحة ثبتت مقيدة بالمائة، على ما مرَّ.
هذا هو تقرير المذهبين.
وإنا نقول: يجب أن ننظر إلى الحكم المقيد بالعدد: هل يدل على الحكم فيما زاد على العدد المذكور، و[فيما] نقص عنه- ففيه تفصيل:
[فيما زاد]:
إن كان الحكم في المذكور نفيًا: [فإنه] لا يدل على انتفاء الحكم عما زاد عليه، بل يدل على ثبوته فيه، نحو قوله ﵇: "إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خَبَثًا": نفى احتمال الخَبَث عن القلتين، وهذا يوجب نفي احتمال الخبث عما زاد على القلتين، لأن القلتين موجودتان في الثلاث وزيادة. ولو حظر علينا جلد الزاني مائة، كان ذلك دليلًا على حظر ما زاد على المائة، لأن المائة موجودة في المائتين وزيادة.
ولو كان الحكم [إيجابًا أو] إباحة، بأن أوجب علينا جلد الزاني مائة أو أباح ذلك، [فإنه] لا يدل على وجوب ما زاد على المائة، [أ] وإباحته، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى:
[ ١٢٧ ]
أما من جهة اللفظ -فلأنه لا ذكر [فيه] لما زاد على العدد المذكور.
وكذا من حيث المعني- لأن إيجاب الأدنى [أ] وإباحته، لا يدل على إيجاب الأعلى [أ] وإباحته.
[فيما نقص]:
وأما دلالته على حكم ما نقص عنه:
[فـ] إن كان الحكم المقيد به إيجابًا [فإنه] يدل على إيجاب ما دونه، ويمتنع الاقتصار عليه- نحو: أن وجب علينا جلد الزاني مائة: يدل على إيجاب خمسين، ويمتنع الاقتصار عليه، لأن الأمر يتناول استكمال العدد، والاقتصار عليه يخل باستكمال العدد.
وإن كان المعلق إباحة: [فإنه] يدل على إباحة ما دونه مما يدخل فيه، ولا يدل على إباحة منا دونه مما لم يدخل تحته- مثاله: إذا أباح جلد الزاني مائة: [فإنه] يدل على إباحة [جلده] ما دونه لأنه دخل تحته. ومثال آخر: إذا أباح لنا استعمال قلتين إذا وقعت فيهما النجاسة: يدل على إباحة استعمال قلة واحدة من هاتين القلتين. ومثال الثاني: إذا أباح لنا استعمال قلتين إذا وقعت فيهما النجاسة بأعيانهما، [فـ] لا يدل على استعمال قلة واحدة وقعت فيها النجاسة، وهي ليست من هاتين القلتين.
[ ١٢٨ ]
وإن كان المعلق به حظرًا: [فـ] لا يدل على حظر ما دونه إلا بطريق الأولى، نحو: إن حظر علينا استعمال قلتين يهما النجاسة: [فـ] لا يدل على حظر استعمال قلة واحدة إلا بطريق الأولى. ولو حظر علينا جلد الزاني مائة: [فـ] لا يدل على حظر خمسين [ولا] على إباحته، بل الأمر فيه موقوف على قيام الدليل.