فنقول:
اختلف العلماء من الناس في الأمر المقيد بالصفة، نحو قوله ﵇: "زكُّوا عن الغنم السَّائِمة"- هل يدل على انتفاء الحكم عما عداه؟
[ ١٣٠ ]
ذهب معظم أصحاب الشافعي ﵀، ومعظم المتكلمين إلى أنه يدل عليه.
وذهب أصحابنا ومعظم المتكلمين إلى أنه لا يدل على ذلك.
وقال بعضهم: إنه يدل على انتفاء الحكم عما عداه في حال، ولا يدل عليه في حال:
أما الحالة التي يدل فيها على انتفاء الحكم عما عداه-[فـ] أمور ثلاثة:
منها- أن يكون الخطاب واردًا على سبيل البيان، كقوله: "زكوا عن الغنم السائمة".
ومنها- أن يكون واردًا على سبيل التعليم، كخبر التحالف حال قيام السلعة.
[ ١٣١ ]
ومنها- أن يكون ما عدا الصفة داخلًا تحت الصفة، نحو: جواز القضاء بالشاهدين: يمنع من جواز القضاء بالشاهد الواحد، لأنه داخل في الشاهدين.
وفيما عدا هذه الوجوه، لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه.
دليلنا في ذلك أنه لو دل على انتفاء الحكم عما عداه: [فـ] إما أن يدل بلفظه وصريحه، أو بمعناه وفائدته، وليس يدل عليه بكلا الوجهين، فإذن لا يدل عليه أصلًا.
أما [أنه] لا يدل عليه بلفظه: [فـ] لأنه ليس في اللفظ ذكر لغيره، وما لا ذكر له في اللفظ، لا يتعرض له الكلام بنفي ولا إثبات. ولا يدل عليه بفائدته ومعناه أيضًا، لأن الذي يمكن أن يقال فيه: إن الحكم لو كان ثابتًا
[ ١٣٢ ]
فيما عدا الصفة، لما تكلف لذكر اصفة، لأن التكلف لذكر الصفة- مع أن الحكم ثابت على سبيل العموم -تكلف بما لا فائدة فيه- وهذا باطل، لأنه يجوز أن يكون في التقييد فائدة وراء انتفاء الحكم عما عداه. وبيان تلك الفائدة:
منها- أنه لو أطلق الكلام لتوهم متوهم أن الصفة خارجة عن الأمر، فتقييده بالصفة لإزالة الإيهام، وليدل على ثبوت الحكم فيما عداه بطريق الأولى- نحو أن يقول الشارع: "ضحوا بالشاة إن كانت عوراء"، فتقييد الأمر- إذا كان في علمه أن لو أطلق الكلام إطلاقًا لتوهم متوهم أن العوراء خارجة عن هذا الأمر- فتقييد الأمر به لإزالة هذا الإيهام، وليدل على جواز الضحية بالشاة الصحيحة بطريق الأولى. وكذا قوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ لا يمنع أن يعلم الله تعالى أنه لو أطلق الكلام إطلاقًا لتوهم متوهم أن القتل خشية الإملاء غير مراد، فيقيد الله تعالى النهي به لإزالة الإيهام.
ومنها- أنه لا يمتنع أن يكون البلوى واقعة بالصفة، فيبين حكم الصفة بالتنصيص عليه، وما عدا ذلك لا يشتبه، نحو قوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾: كان لا يشتبه عليهم حرمة القتل، وإنما يشتبه عليهم القتل خشية الإملاق، فقيد الله ﷿ النهي به ليعلم أن الحكم ثابت على سبيل العموم.
ومنها- أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين حكم الصفة بالتنصيص عليه، ويثبتها فيما عداه، بالقياس عليه. كما لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين حكم الربا في الأشياء الستة، بالتنصيص عليها، ويثبت الحكم فيما عداها بالقياس على ذلك.
[ ١٣٣ ]
ومنها- أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين حكم الصفة بهذا النص، وحكم ما عداها بنص آخر. كما لا يمتنع أن يكون الحكم تارة بخطاب وجيز، وتارة بخطاب طويل- مثال الأول: قوله: "زكوا عن الغنم"، ومثال الثاني: قوله: "زكوا عن الغنم السائمة والمعلوفة"، ولو اقتصر على قوله: "زكوا عن الغنم" كفاه. ومع هذا لا يمتنع ذلك- كذا هذا.
ومنها- أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يبين [حكم] الصفة بالتنصيص عليه، ويتعبدنا فيما عدا ذلك، بالبقاء على حكم الأصل، بأن كان حكم الأصل موافقًا لحكم العقل، بأن يقول: "لا تذبحوا الشاة السائمة"، فإن حرمة الذبح أصل، فيبين حكم السائمة بالتنصيص عليه، وما عداها [يظل] باقيًا على حكم الأصل.
وإذا كان في التقييم بالصفة فوائد، لم يدل على انتفاء الحكم عما عداه.
فإن قيل: إن جاز ما ذكرتموه في تقييد الحكم بالصفة، وراء انتفاء الحكم عما عداه، لكن الظاهر من الفوائد انتفاء الحكم عما عداه، فصحَّ القول بانتفاء الحكم عما عداه بناء على هذا الظاهر- قلنا: ماذا عنيتم بقولكم: إن الظاهر انتفاء الحكم عما عداه؟ إن عنيتم أن المفهوم والمعقول من الفائدة ذلك، فغير مسلم، وهو موضع النزاع. وإن عنيتم به أن الأغلب والأعم من الفائدة،
[ ١٣٤ ]
في تقييد الحكم بالصفة، انتفاء الحكم عما عداه، فهذا دعوى أيضًا، وما أنكرتم على من يقول إن الأمر على العكس، فصار حاصل سؤاله دعوى لا دليل عليه.
وقد استدل على ذلك بأن تقييد الحكم بالصفة جارٍ مجرى تقييد الحكم بالاسم، ثم تقييد الحكم بالاسم لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، فكذلك تقييد الحكم بالصفة.
أما بيان أن تقييد الحكم بالاسم لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه-[فـ] ما ذكرنا في الفصل المتقدم.
وأما بيان أن تقييد الحكم بالصفة جار مجرى تقييد الحكم بالاسم، فهو أن الاسم وإنما وضع ليمتاز به أحد المسميين عن الآخر، وكذلك الصفة: إنما تضاف إلى الموصوف عند وقوع الاشتراك، ليمتاز أحد المسميين عن الآخر، فإنك إذا قلت "زيد" يقع على الكوفي والبصري، فإذا أضفت الاسم إلى البصري [فإنه] يمتاز به، كما يمتاز باسم يختص به لا يشاركه فيه غيره. ثم تقييد الحكم بذلك الاسم، لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، فكذلك تقييد الحكم بالصفة.
إلا أن لقائل أن يقول: هذا باطل بالتقييد بالغاية، فإن الغاية تقتضي تمييز ما دخلت عليه من الزمان [وتجري مجرى اسم يختص بذلك الزمان]. ثم التقييد بالاسم، الموضوع لذلك الزمان، لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، وتقييده بالغاية يدل على انتفاء الحكم عما عداه- فكذا هذا.
ثم نقول: ولم يجب، إذا جرت الصفة مجرى الاسم في التمييز، أن يجري مجراه في عموم الفائدة؟ ولم قلتم إن العلة، في أن تقييد الحكم بالاسم لا يدل على انتفاء
[ ١٣٥ ]
الحكم عما عداه، ما ذكرتم، وما أنكرتم أن العلة فيه شيء آخر؟ فإن قال: إن العلة في التقييد بالاسم هو أنه ليس في اللفظ ذكر لما عدا المسمى، فكذا في الصفة: ليس لما عداها ذكر في اللفظ، فلا يكون دليلًا- قلنا: هذا، رجوع من الكلام الأول إلى دليل آخر.
ثم نقول: هذا يقتضي أن تقييد الحكم بالصفة لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه من جهة اللفظ. أما لا يقتضي أنه لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه من جهة الفائدة والمعنى.
وأما المخالف فقد استدل في المسألة بأشياء:
منها- أن الخطاب المقيد بالصفة جارٍ مجرى الخطاب المقيد بالاستثناء. ثم الحكم المقيد بالاستثناء يدل على انتفاء الحكم عما عداه، فكذلك الحكم المقيد بالصفة.
ومنها- أن الأصل في خطاب الله تعالى أن يُحمل على ما تعممُّ فوائده، وفي جعل التخصيص بالذكر دليلٌ على نفي ما عداه تكثير لفوائده، فيجعل ذلك دليلًا عليه.
ومنها- أن الأمة عقلت وفهمت الأحكام من دلالة التخصيص، حتى رُوي أن الصحابة ﵃ قالوا: إن قوله ﵇: "الماء من الماء" منسوخ بقوله ﵇: "إذا التقى الختانان وغابت الخشفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل". فلولا أن قوله: "الماء من الماء" يقتضي نفي وجوب الغسل عما عداه، عندهم، لم يكن الحديث الثاني ناسخًا له.
[ ١٣٦ ]
ومنها- استدلال أبي بكر ﵁ على نفي الإمامة عن الأنصار بقوله ﵇ "الأئمة من قريش"- فلولا أن هذا الحديث يقتضي نفي الإمامة عما عدا قريش، لما صح ذلك منه. وروى عن ابن عباس ﵄ نفي الربا [في] النقد بقوله ﵇ "إنما الربا في النسيئة"، فلولا أن تخصيص الربا بالنسيئة يدل على نفي الربا عما عداه، لما صح ذلك منه.
والجواب:
أما الأول- قلنا: الحكم المقيد بالصفة جار مجرى الحكم بالاستثناء من جميع الوجوه، أو من وجه دون وجه؟
الول ممنوع، والثاني مسلم. ونحن نقول بأنهما يجريان مجرى واحدًا: في أن كل واحد منهما يدل على ثبوت الحكم فيما تناوله، إلا أن الحكم المقيد بالاستثناء اختص بزيادة فائدة، وهي الدلالة على نفي الحكم عن المستثنى.
وأما الثاني- قلنا: الحكم لا يجعل مدلولًا للفظ لتكثير الفوائد، وإنما يجعل مدلولًا إذا كان موضوعًا له، أو موضوعًا لشيء يدل عليه- ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾: هذا لا يجعل دليلًا على نفي قتل غير المشركين، لما أنه غير موضوع له، وإن كان فيه تكثير الفوائد.
وأما الثالث والرابع- قلنا: قوله ﵇: "الماء من الماء" اقتضى أن يكون جميع الغسل في الإنزال، لأن الألف واللام للاستغراق، فاقتضى نفي
[ ١٣٧ ]
وجوب الغسل في غيره، فالحديث الثاني إذا أوجب الغسل بالتقاء الختانين، فقد أثبت ما نفاه الأول، فكان ناسخًا له. وكذا قوله ﵇: "الأئمة من قريش" اقتضى أن يكون جميع الأئمة من قريش، ومتى اقتضى ذلك اقتضى نفي الإمامة عن غيرهم، فكذلك صح منه التعلق بهذا الحديث. وكذا قوله ﵇: "الربا في النسيئة" اقتضى جميع الربا في النسيئة فاقتضى نفيه عن غيرها. على أنه روى عن النبي ﵇ أنه قال: "لا ماء إلا من الماء" وهذا صريح في نفي الغسل بدون الإنزال. وكذا روى عنه أنه قال: "لا ربا إلا النسيئة" فلعل ابن عباس ﵄ إنما نفي الربا في النقد بهذا الحديث.
أما الحكم المقيد بصفة -[فـ] لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، فلا يجعل دليلًا عليه.