اعلم بأن الأمر [أ] والخبر المعلق بالاسم، لا يدل على ثبوت الحكم فيما عداه، ولا انتفائه عما عداه، نحو أن يقول قائل: "زيد في الدار"- فهذا لا يدل على أن عمرًا ليس في الدار، ولا على أنه فيها.
وكذلك: لو أمر أحدهما بالقتل: لا يدل على انتفاء الوجوب عن الآخر.
وذهب بعض الناس إلى أنه يدل على انتفاء الحكم عما عداه.
واستدلوا في ذلك بأن قالوا: لو كان الحكم ثابتًا على العموم لذكره بلفظة تعم الكل. فلما ذكره باسم يخص البعض، عرفنا أن الحكم منتصف عما عداه- مثال: قوله: "زكوا عن الغنم" كان هذا دليلًا على انتفاء الزكاة عن سائر النعم، إذ لو كانت لازكاة واجبة في الغنم وسائر النعم لذكره بلفظة تعمُّ الكل.
إلا أنا نقول بأن قول القائل: "زيد آكل" لا يدل على أن عمرًا غير آكل، إذ لو دل على ذلك لما حسن الإخبار به إلا بعد علمه بأن عمرًا غير آكل، لأن بدون العلم به يكون كاذبًا في خبره. أو لا يأمن كونه كاذبًا.
[ ١٢٩ ]
وفي علمنا، باستحسان العقلاء، [أن] الإخبار عنه، من غير علم به، يدل على أنه لا يدل على ذلك- تحقيقه: إن قول القائل: "زيد آكل" لو دل على انتفاء الأكل عن غيره: إما أن يدل على ذلك بلفظه أو بمعناه: لا جائز أن يدل لفظه، لأنه ليس في اللفظ ذكر ما عداه. ولا يدل بمعناه أيضًا، لأن الإنسان قد يعلم بأنهما اشتركا في الفعل، ثم يجوز أن يكون له غرض في الإخبار عن أحدهما دون الآخر. وكذلك نعلم أن الفعل واجب عليهما، ثم يأمر أحدهما به، ويدل الآخر على الوجوب، في وقت آخر، بدليل آخر- فثبت أنه لا يدل على انتفاء الحكم عما عداه من كلا الوجهين.
والجواب عما ذكروه- قلنا:
- لو انتفى الحكم عن غير المذكور إنما ينتفي لفقد دلالة الوجوب في حقه، لا لتعلق الوجوب بالمذكور.
- وكذلك الجواب عن كلامه الثاني: إن انتفاء الزكاة عن النَّعَم إنما كان لفقد دلالة الوجوب، لا لتعلق الوجوب بالغنم، لأنه لا يمتنع أن يكون الحكم ثابتًا في الغنم وسائر النَّعَم ثم تتعلق المصلحة في أن يبين حكم الغنم بهذا النص، ويبين حكم سائر النَّعَم بنص آخر، في زمان آخر. وإذا جاز ذلك، لم يكن التقييد بالغنم دليلًا على انتفاء الحكم عما عداه- والله أعلم.