اعلم أن اسم الأمر يقع في الأمر الحقيقي، وهو القائم بالنفس الذي يوجب كونه آمرًا، ويقع على غيره.
ومعنى اختصاص الأمر بالقول: أنه الدال عليه دون غيره. وهذا باطل- لأن القول قد يدل عليه. وغير القول، كالإشارة وغيرها، يدل عليه.
وأما الذي يقع على غير ذلك-[فقد] أجمعوا أنهي قع على القول المخصوص على الحقيقة، وهو قول القائل لمن دونه "افعل".
واختلفوا في أنه: هل يقع على الفعل حقيقة أم لا؟
ذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أنه لا يقع على الفعل حقيقة.
وقال أصحاب الشافعي: إنه يقع على الفعل حتى قالوا: إن أفعال الرسول ﵇ على الوجوب، لأنها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (الآية).
والصحيح أن اسم الأمر مشترك بين: الشيء، والشأن، والقول المخصوص:
[ ٥١ ]
فإن قائلًا لو قال: "آمر" لا يدري السامع أي هذه الأمور أراد، كما إذا قال: "أدرك" لا يدري السامع أنه أراد به اللحوق أو الرؤية. فإذا قال: "آمر بكذا" يفهم منه القول المخصوص.
وإذا قال: "أمر فلان مستقيم" يفهم منه شئونه وطرائقه.
وإذا قيل "جاءني زيد لأمر من الأمور" يفهم منه شيء من الأشياء.
وإذا كان مستعملًا في هذه الأشياء الثلاثة [فـ] لا يُحمل على واحد منها إلا بدليل.
ثم الدليل على أن اسم الأمر لا يقع على الفعل حقيقة- أنه: لو كان يقع عليه حقيقة لا طرد فيه، فيسمى كل فعل به: فيسمى الأكل أمرًا، والشرب أمرًا، وليس كذلك. وكان يجب أن لا يصح نفيه عنه. والأمر بخلافه. وأنه يصح أن يقال في كل فعل "فعل هذا الفعل وما أمر".
فإن قيل: أليس أنه يقال للأكل الكثير "هذا أمر عظيم"، وهذا إطلاق اسم الأمر على الفعل- قلنا: إنما قيل ذلك لا باعتبار أنه فعل، بل باعتبار أنه شيء- يعني "هذا شيء عظيم". وقد ذكرنا أن اسم الأمر حقيقة في الشيء- ألا ترى أنه لا يقال ذلك في الأكل القليل مع أنه فعل.
[ ٥٢ ]
وقد استدل على ذلك أيضًا بأن اسم الأمر لو كان حقيقة في الفعل لوجب أن يشتق لفاعله منه اسم "آمر"، كما في القول المخصوص. إلا أن في هذا الوجه نظرًا، لأن الاشتقاق م الحقائق ليس بواجب- ألا ترى أن اسم "الرائحة" حقيقة فيما هو رائحة ثم لا يشتق لمحله منه اسم، وإذا لم يكن ذلك واجبًا لم يكن عدم الاشتقاق دليلًا على أنه ليس بحقيقة في الفعل.
ومن ذهب إلى أن اسم "الأمر" يقع على الفعل حقيقة تعلق بقوله تعالى: ﴿ومَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿ومَا أَمْرُنَا إلَاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾: أطلق اسم الأمر على الفعل، فكان حقيقة فيه.
والجواب:
- لا يمتنع أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ومَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ هذا القول المخصوص- ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ والإتباع يكون للقول خاصة. ثم إن كان غير القول مرادًا، لكان معناه: وما شئونه وطرائقه برشيدة.
- وأما الآية الثانية، قلنا: ليس المراد منه الفعل، بل المراد أن من شأنه وصفته أنه إذا أراد شيئًا [فإنه] يقع كلمح البصر في السرعة.
ولئن كان المراد من الآيتين هو الفعل، ولكن مطلق الاستعمال لا يدل على
[ ٥٣ ]
الحقيقة، كاستعمال اسم المجاز في محالها، بل بشرط أن لا ينتفي الاسم عنه بحال، وقد فقد هذا الشرط ههنا.