- وهو للإلصاق، كقولك: "مسحت يدي بالمنديل": أفاد إلصاقها به.
- ويستعمل في الآلة، والسبب، والعوض: لإفادة الإلصاق صورة أو معنى. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾:
قال بعضهم: إنه، على موجب اللغة، يفيد إلصاق المسح بجميع الرأي، لأنه علق المسح بالرأس، والذي يسمى رأسًا هو الكل. إلا أنه في العرف يفيد إلصاق المسح إما بكله أو ببعضه، فإنا نقول: "مسحت يدي بالمنديل" إذا مسحت بعضه، كما نقول ذلك أيضًا إذا مسحت كله.
وقال بعضهم: إن الآية مجملة، لأن هذا الحرف قد يراد به الكل، وقد يراد به البعض، فكان مجملًا، فلا يصح التعلق إلا ببيان.
[ ٤٤ ]
ومنها- كلمة "في":
- وهي للظرف كقولك: "زيد فيالدار" و"حنطة في الجوالق" و"درهم في الكيس": أفاد كون الدار ظرفًا لزيد، وكون الجوالق والكيس ظرفًا للحنطة والدراهم.
وقد يقال: "في الصلاة" يعني الظرفية، لأنه متى انقطع إلى الصلاة دون غيرها صار كمن انقطع إلى مكان دون غيره.
- وقد تستعمل كلمة "في" للشرط. كقول القائل لامرأته: "أنت طالق في دخولك الدار" فتصير مجازًا عن كلمة "مع" وعن كلمة "على" لمقاربة بينهما في معنى الاتصال والمجاورة، لما عرف.
ومنها- كلمة "من":
- وهي لابتداء الغاية- تقول: "خرجت من البصرة إلى الكوفة": أفاد أن بصرة مبدأ خروجك.
- وقد تستعمل مكان حرف الباء- قال الله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي بأمر الله.
- وقد تكون صلة في الكلام لتحسين النظم- كما في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي يغفر لكم ذنوبكم.
- وقد تكون للتبعيض- كقولك: "أكلت من هذا الرغيف".
[ ٤٥ ]
- وقد تكون لبيان الجنس- كقولك: "باب من حديد". فهذا ليس للتبعيض، لنه لو لم يكن في العالم إلا الحديد الذي اتخذ منه الباب، صح أن يقال: "باب من حديد".
والصحيح أن كلمة "من" لتمييز الشيء عن غيره. وإنما استعملت في هذه المواضع لإفادة معنى التمييز، حتى لا تختلف فائدة الكلمة باختلاف المواضع. بيانه- أن معنى التمييز حاصل في قوله: "خرجت من مكة" لأن الكائن في مكان متصل به ومجاور له، وبعض الشيء حقيقة متصل به. فإذا خرج فكأنه انفصل وتميز منه. وكذا في انفصال الجزء عن كله. وكذا في قوله: "باب من حديد" أفاد تمييز الحديد من سائر الأجناس في اتخاذ الباب منه.
ومنها- كلمة "إلى":
وهي لانتهاء الغاية، كقولك: "خرجت من بصرة إلى الكوفة": أفاد أن الكوفة منتهى خروجك.
ثم الغاية قد تدخل في الكلام وقد لا تدخل. ولهذا قالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ مجمل.
والصحيح أن الغاية لا تدخل في الكلام، وهذه الآية لا تقتضي وجوب غسل المرافق، لأنها تفيد وجود غسل أيدي نهايتها المرافق، ومن غسل الأيدي إلى أول المرافق صدق [عليه] القول بأنه غسل أيدي نهايتها المرافق، فسقط الأمر به، كمن قال لغيره: "ادخل الدار" فإذا فعل فعلًا يصدق عليه اسم دخول الدار يخرج عن العهدة، وهذا لأن سقوط الأمر متعلق بوجود أول الاسم لا بوجود آخره- ألا ترى أن من انتهى إلى أول بغداد صح أن يقال: إنه انتهى
[ ٤٦ ]
إلى بغداد، وإنما استفدنا وجوب غسل المرافق بدلالة أخرى لا بهذه الدلالة.
ومنها- كلمة "حتى":
- وهي للغاية مطلقًا، ولا تفتقر إلى ابتداء لما ضربت له الغاية.
وبهذا فارقـ[ـت] كلمة "إلى"، فإنها لانتهاء الغاية، فتقتضي ابتداء حتى تكون هي نهايته.
ودلالة ما قلنا: الاستعمال- قال الله تعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ - فهذا أمر بالعبادة إلى حين الموت. وكذا قوله ﵇: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" من غير ذكر ابتداء له.
- وقد تستعمل هذه الكلمة في المجازاة إذا دخلت فيما لا يقبل الغاية ويقبل المجازاة، والمذكور يصلح أن يكون جزاء. كقولك: "وهبتك حتى تعوضني" أي لتجازيني بالعوض. لأن جزاء الفعل ينهي أثر الفعل ويجعل كأن لم يكن، وهو معنى الغاية، فيحمل عليه عند تعذر الحمل على حقيقة الغاية.
- وقد يستعمل مكان حرف "الفاء" عند تعذر حمله على حقيقة الغاية والجزاء. كمن يقول لغيره: إن لم آتك اليوم حتى أتغدى عندك فعبده حر- فهو كقوله: "إن لم آتك اليوم فأتغدى عندك".
ومنها- كلمة "على":
وهي مشتقة من العلو، يقال: "زيد على السطح" و"درهم على الكف".
- وتستعمل في عرف الشرع للإيجاب- قال الله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
[ ٤٧ ]
حَجَّ البَيْتَ﴾ وهو للإيجاب. وكذا قول القائل: "لفلان عليَّ ألف درهم": محمول على الوجوب. وإنما استعمل فيه لتحقق معنى العلو. لأن الوجوب هو السقوط، ولا فرق بين قول القائل: "سقط عليه" وبين قوله: "علاه وارتفع عليه". وهذا لأن الشيء إذا ارتفع على غيره وقع ثقله عليه. وكذا الفعل: إذا وجب على الإنسان وقع ثقله، والمشقة الحاصلة متحصلة عليه، فلذلك استعمل في الإيجاب.
- وقد تستعمل في الشرط إذا تعذر حمله على الوجوب- كقول القائل لامرأته: "أنتِ طالق على ألف درهم" أي بشرط قبول الألف، لأن الشرط في معنى الموجب للحكم، فيحمل عليه.
- وقد تستعمل في الأعواض إذا تعذر حمله على الإيجاب والشرط، كقول القائل: "بعت منك هذا العبد على ألف"- هذا للمبادلة لا للشرط. لأن تعليق التمليك بالشرط لا يجوز. ولأنه يصح الرجوع عنه قبل القبول. وهذا حكم المبادلة دون الشرط. وإنما حمل عليهـ[ـا]، لأن في المبادلة معنى الوجوب ومعنى الشرط، فيحمل عليها عند تعذر الحمل عليهما.
[ ٤٨ ]
ومنها- كلمة "بل" و"لا بل":
وهو لنفي الأول، وإثبات الثاني مقامه، على وجه تدارك الغلط. كقول القائل: "اضرب زيدًا لا بل عمرًا": يفهم من هذا نفي الضرب عن زيد وإقامة عمرو مقامه في الضرب وأنه غلط في الأمر بالضرب.
إذا ثبت هذا- نقول:
إن كان الأمر قابلًا للنفي ينتفي الأول، ويثبت الثاني مكانه.
وإن كان غير قابل للنفي بأن كان طلاقًا ونحو ذلك، يبقى الأول ثابتًا ويثبت الثاني، فيجعل الأول كالمنفي في حقه عملًا بقضية الكلمة بقدر الإمكان.
ومنها- كلمة "لكن":
وهي لاستدراك الغلط، ككلمة "لا، بل" و"بل" -إلا أن الفرق بينهما أن هذه الكلمة لا تستعمل إلا بعد تقدم النفي، إلا في بيان الوصف، كقولك: "رأيت زيدًا لكن مريض"، ولا يصير نفي الأول مستفادًا به. وفي كلمة "بل" نفي الأول مستفاد بها، ولا يحتاج إلى تقدم النفي صريحًا.
مثال كلمة "لكن"- قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: نفي الظلم عن الله تعالى استُفيد بصريح النفي لا بكلمة "لكن".
ومثال كلمة "بل" قول القائل: "رأيت زيدًا بل عمرًا" فَنَفْي رؤية زيد استُفيد بكلمة "بل".
[ ٤٩ ]
ومنها- كلمة "إلا":
وهي للاستثناء. يقول: "جاءني القول إلا زيدًا": أفاد هذا استثناء زيد عن حكم المجيء.
ومنها- كلمة "غير":
وهي في معنى كلمة "إلا" إذا ذكر [ت] بنصب الراء- يقال: "عليَّ درهم غيرَ دانق" كان إقرارًا بخمسة دوانيق كقوله: "إلا دانقًا".
فأما إذا ذكر [ت] برفع الراء، [فـ] تقتضي المغايرة بين المذكور الأول والثاني، لا على جهة الاستثناء، كقولك: "عليَّ درهم غيرُ دانق": لزمه درهم تام وتصير "غيرُ" نفيًا لصفة الدانق للدرهم أي "عليَّ الدرهم الذي هو غير الدانق".
ومنها- حروف القسم:
وهي: "الباء" و"الواو" و"التاء":
كقولك: "بالله" و"والله"، "تالله". عُرف ذلك بالاستعمال: في كتاب الله تعالى، وكلام الناس.
ومنها- حروف الشرط:
وهي: "إن" و"إذا" و"إ؟ ذا ما" و"متى" و"متى ما" و"كل" "وكلما" و"من" و"ما".
كل ذلك عُرف باستعمال أهل اللسان. والله أعلم.
[ ٥٠ ]
٤
باب
حقيقة الأمر