أما دلالة [العقل]- مما يخص به الكتاب والسنة- فإنا نحكم بخروج الصبي والمجنون من أن يكونا مرادين بكلام الله تعالى وخطابه وخطاب الرسول، في الحال، بالعبادات. ولا نحكم بخروجهما عنه إذا كل عقلهما، لأن دليل العقل يفصل بين الحالين، ولا شبهة في خروجهما عن كونهما مرادين بالخطاب.
واختلفوا في خروجهما بدليل العقل:
فمنهم من منع ذلك وقال بأن دليل العقل متقدم على عموم الكتاب والسنة، والتخصيص لا يثبت، بدليل متقدم، كما في الاستثناء والشرط والنسخ.
وإنا نقول بأن دليل التخصيص ما يتوصل به إلى العلم بخروج بعض ما تناوله اللفظ عنه، وبالعقل يتوصل إلى العلم بخروج بعض ما تناوله الخطاب عنه، لأنا نعرف بعقولنا قبح إرادة فهم المراد بالخطاب ممن لا يتمكن من الفهم، إما لكونه سفها أو لكونه تكليف ما ليس في الوسع.
[ ٢٢٣ ]
إذا ثبت هذا- نقول: الصبي والمجنون لا يتمكنان من فهم المراد بالخطاب، فعرفنا بعقولنا خروجهما عن عمومات الكتاب والسنة.
فإن قيل: نسلم بأن بالعقل نعرف خروجهما من أن يكونا مرادين بالخطاب، لكن لا نسلم أن التخصيص ثابت به- قلنا: لا نعني بكون الشيء مخصصا إلا أن يكون دليلا على خروج بعض ما تناوله الخطاب عنه، فإذا سلمتم ذلك فقد وافقتمونا في المعنى وخالفتمونا في العبارة، ولا تعويل على العبارة.
فإن قيل: هلا قلتم: إن دليل العقل دليل بشرط أن لا يعارضه عموم الكتاب، فإن عارضه عموم الكتاب [ف] لا يكون دليلا- قلنا: دليل العقل مطلق في نهي تكليف ما ليس في الوسع وإرادة السفه، ولا يقف وجه الدلالة على أمر آخر، فلا يختلف بين ما إذا عارضه عموم الكتاب أو لم يعارضه، فكان دليلًا على الإطلاق، وعموم الكتاب والسنة يحتمل التخصيص، وكان تخصيصه بدليل العقل، وهو لا يحتمل التخصيص، أولى- والله أعلم.