اعلم أن الحقيقة تنفصل عن المجاز بحكم يختص كل واحد منهما.
فمن حكم الحقيقة أن تطرد في فائدتها على الحد الذي يفيدها، إما مطلقة أو مشروطة، إلا أن يمنع من ذلك مانع. مثال المطلقة: قولنا: "طويل":
[ ٢٨ ]
يفيد ما اختص بالطول أي جسم كان. ومثال المشروطة: قولنا "أبلق" يفيد ما اجتمع فيه السواد والبياض بعد أن كان في الخيل خاصة.
وأما المجاز فلا يجب اطراده- ألا ترى أن وصفنا الرجل الطويل بأنه نخلة: لما كان بطريق المجاز، لا يجب اطراده، حتى لا يسمى ما عدا الرجل من الأجسام الطوال نخلة.
ثم الحقيقة إنما يجوز اطرادها دون المجاز لوجهين:
أحدهما- أن واضع اللغة غنما وضع الاسم لما شاهده من المعاني. فلو قلنا لا يجب اطراده لانقطعت اللغة، وهذا لا يجوز، ولا كذلك المجاز. لأن الحقائق مستوعبة للمسميات، فلا يلزم من نفي اطراد المجاز انقطاع اللغة.
والثاني- أنا نعلم أن أهل اللغة إنما وضعوا اسم "الطويل" لما شاهدوه من الجسم، لاختصاصه بالطول. وكل جسم حصل فيه الطول يجب اطراد الاسم فيه- هذا معنى قولنا: إن القياس يجري في الحقائق، ولا كذلك المجاز، لن أهل اللغة ما وصفوا الرجل الطويل بأنه نخلة لاختصاصه بالطول فقط، بل لشدة اهتمامهم به، فدعاهم شدة اهتمامهم بذلك إلى المبالغة في وصفه بالتشبيه بغيره، ولا يجب تحقيق ذلك في كل طويل.
فإن قيل: أليس أن المجاز يطرد في نوعه حتى يسمى كل رجل طويل "نخلة"- قلنا: إن عنيت باطراد المجاز هذا، فلا نأبى ذلك، وإنما نعني بنفي
[ ٢٩ ]
اطراد المجاز أن يقر في نوعه ولا يتعداه، ولهذا لا يسمي كل طويل «نخلة»، ولا كذلك الحقيقة: فإن أهل اللغة متى سموا الرجل الذي حصل فيه السواد
أسود، بطريق الحقيقة يجب اطراده، حتى يسمي كل الأجسام التي حصل فيها السواد «سودا».
ومما يفصل به بين الحقيقة والمجاز أنه إذا كان يسبق إلى فهم السامع عند سماع اللفظ معني من المعاني دون القرينة، كان حقيقة فيه. وإذا كان لا يسبق إلى فهمه عند سماع اللفظ معنى إلا بقرينة كان مجازة فيه. وإنما كان كذلك، لأن السامع لولا أنه اضطر في أن الواضعين وضعوا الاسم بذلك المعنى، لكان لا يسبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره، ومن حكم الحقيقة أن يحمل اللفظ على حقيقته ولا يعدل إلى المجاز إلا بقرينة صارفة، لأن الواضع إنما وضع الاسم لمعنى يتوسل به إلى غرضه بالإبانة عن ذلك، فلو لم يحمل عليه بغير قرينة بطل كونه دلالة على الغرض [و] وسيلة إلى المراد بنفسه، وفيه نقض / الغرض بالمواضعة - والله أعلم.