نعنى بطريق المجاز الأمر المصحح للمجاز والمحسن للتكلم به. وذلك هو الاختصاص بين المستعار له والمستعار عنه، أعني اختصاصا لأجله يُعرف المستعار له من المستعار منه، ودلالة ذلك من وجهين:
أحدهما - أن الفصاحة والبلاغة غرض مطلوب في المجاز، فإنا وجدنا أهل اللغة استعملوا المجاز في أشعارهم وخطبهم ومحاوراتهم لتحقيق معنى البلاغة والفصاحة، ومعنى البلاغة والفصاحة يحصل بتعريف الشيء باسم غيره.
[ ٣٠ ]
وقد يحتاج إلى ذلك للمبالغة في الوصف، أو للاختصار في الكلام، أو للتحاشي عن التصريح بذكر المستعار له، لما فيه من كراهة الطبع، كما ذكرنا من قبل، وكان تعريف الشيء بذكر غيره بطريق المجاز من وجوه الفصاحة، إلا أنه كل شيء يذكر، لا يعرف به غيره، إذا لم يكن بينهما ضرب اتصال ونوع اختصاص معرِّف. ولهذا لا يحسن إطلاق اسم السماء على الأرض واسم الأرض على السماء. فإذا كان بين الشيئين هذا النوع من الاتصال والاختصاص حَسُنَ استعمال اسم احدهما في الآخر مجازًا، فثبت أن الاختصاص المعرِّف طريقُ المجاز، إلا أن لذلك وجوهًا: منها- المشابهة في المعنى الخاص، كما في الأسد مع الشجاع، والحمار مع البليد. ومنها- المجاورة كما في قولنا: جرى النهر، وسال الميزاب. ومنها- السببية، والمسببية، وغير ذلك.
والوجه الثاني- أن للمجاز وجوهًا كثيرة مختلفة الصور اتفقت في الاشتمال على ما ذكرنا من الاتصال والاختصاص، وذلك يدل على أن المصحح للمجاز في الكل هذا. بيان ذلك -أن المجاز قد يكون للمشابهة بين الشيئين. وقد يكون للمجاورة بينهما كما ذكرنا. وقد يكون لأجل السببية والمسببية، فإن اسم السبب قد يُستعار للمسبّب، كما في قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا﴾ أي المطر. ويقال: سقط السماء أي المطر. وقد يستعمل اسم المسبب للسبب كقوله تعالى: ﴿إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾: المراد به قلة السرور وكثرة الحزن، لأنهما مسببان
[ ٣١ ]
للسرور والحزن. وقوله تعالى: ﴿وامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ أي تعجبت، لأن الضحك مسبب التعجب. وقد يطلق اسم المدلول على الدليل [فـ] يقال: "سمعت علم فلان" أي عبارته الدالة على علمه. وقد يطلق اسم الآلة على الفعل كما في قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. وقد يطلق اسم الفاعل على الفعل والمصدر كقوله: "لحقته لائمة" أي ملامة ولوم. وقد يطلق اسم الفاعل على المفعول كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي مرضية. وقد يطلق اسم الفعل على المفعول كقولهم: "هذا الدرهم ضرب فلان" و"هذا الثوب نسج فلان". وقد يطلق اسم المكان على المتمكن فيه بطريق الحذف، كقوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾. وقد يطلق اسم الشيء على ضده المختص بكونه ضدًّا له، كما يقال للديغ سليم وللأعمى بصير. وقد يطلق اسم بعض الشيء على كله كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. ويقال: "فلان يملك كذا رأسًا من الغنم"- فثبت أن المجاز يستعمل في وجوه كثيرة مختلفة الصور، مع اتفاقها في نوع اختصاص معرَّف، فعلم أنه المصحح للمجاز في الكل.
فإن قيل: ما أنكرتم أن استعمال المجاز ليس له طريق معين، بل هو تابع للاختيار، فكل من اختار استعمال شيء في غيره، يصح منه ذلك- ألا ترى أن الله تعالى أطلق اسم المريد على الجدار بقوله تعالى: ﴿جِداَرًا يُرِيدُ أَن
[ ٣٢ ]
يَنقَضَّ﴾ وأي اختصاص بين المريد والجدار- قلنا: الدليل على اشتراط ما ذكرنا من الاختصاص المعرِّف للمجاز أنَّ فهم الشيء باسم غيره لا يحصل. وأما ما ذكر من المثال- قلنا: هذا إطلاق اسم المريد على الجدار الذي قرب سقوطه وانهدامه، وبينه وبين المريد اختصاص مشابهة، لأن الإرادة هو المعنى الذي يوجب تخصيص الشيء بالوجود، والجدار الواهي المائل قرب سقوط، وأوجب ذلك اختصاص سقوطه وانهدامه بالوجود، فكأنه أراد انقضاض نفسه وانهدامه، فجاز استعمال المجاز فيه.
فإن قيل: من جملة وجوه المجاز المشابهة في المعنى الخاص كما ذكرتم، فهل يشترط في هذا الوجه شرط آخر وراء نفس المشابهة، وهو أن يكون المعنى في المستعار منه أبلغ حتى يصح المجاز؟ قلنا: نعم فيه شرائط: بعضها شرط صحة المجاز، وبعضها شرط كمال الفصاحة فيه:
أما الأول- فمن شروطه أن يكون المعنى خاصًا في المستعار منه أعني أنه يوجد فيه، وعلى الحد الذي يوجد فيه لا يوجد في غيره، كالشجاعة في الأسد.
ومن شرطه- أن يكون المعنى في المستعار منه ظاهرًا، كالشجاعة في الأسد، لا كالبَخَر فيه.
وأما كون المعنى في المستعار منه أبلغ - فهو شرط كمال الفصاحة والبلاغة، كما في الأسد مع الشجاع، والحمار مع البليد، لا شرط نفس الاستعارة، لما مر ان معنى المجاز والمطلوب منه قد يحصل بدونه، لما مر من الوجوه.
والله تعالى أعلم.
[ ٣٣ ]
٢
باب