ثم إذا وقع اسم الأمر على القول المخصوص، فإنما يقع عليه عند استجماع شرائط ثلاثة:
أحدها- أن يكون على هذه الصفة المخصوصة، وهو قوله "افعل" أو "ليفعل".
والثاني- أن يكون القائل أعلى رتبة من المقول له.
والثالث- أن يكون القائل طالبًا أن يفعل المقول له الفعل، لا محالة.
- أما اعتبار الشرط الأول، فظاهر- فإن ما ليس على هذه الصفة المخصوصة، كالخبر والنهي والتمني، لا يسمى أمرًا.
- وأما اعتبار الشرط الثاني، فبيّن أيضًا- فإن القائل إذا كان أدنى رتبة من المقول له، لا يكون أمرًا بل يكون سؤالًا. وإذا كان مساويًا له في الرتية يكون طلبًا. هكذا قرره المتقدمون. والصحيح أن اعتبار الاستعلاء أولى من اعتبار علو الرتبة- فإن من قال لغيره على سبيل التذلل "افعل" لا يكون أمرًا، وإن كان أعلى رتبة منه. ولو قال له ذلك على سبيل الاستعلاء يكون أمرًا وإن كان أدنى رتبة منه. ولهذا يصفون من هذا حالة بالحق والجهل حتى يأمر من هو أعلى رتبة منه.
- وأما اعتبار الشرط الثالث، فلأن القائل إذا لم يكن طالبًا للفعل، بل يكون غرضه الزجر والتحذير أو لا يكون له غرض أصلًا، بأن كان نائمًا أو ساهيًا،
[ ٥٤ ]
لا يكون أمرًا. ولو كان طالبًا للفعل وغرضه أن يفعل يكون أمرًا لهذا المعنى.
فإن قيل: لم قلتم بأن كلام النائم والساهي إنما لم يكن أمرًا لانعدام الطلب حتى يشترط وجوده لكونه أمرًا، بل إنما لم يكن أمرًا، لأن المتكلم ما أراد كونه أمرًا، حتى لو أراد كونه أمرًا كان أمرًا، كما نقوله في الخبر: فإنه خبر لإرادة كونه خبرًا- قلنا: لا شك أن نفس هذه الصيغة لا تكفي في كونه أمرًا، لأن نفس الصيغة موجودة في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ وليس بأمر، فعُلم أنه لا بد من أمر زائد على الصيغة.
وإذا ثبت هذا نقول:
لا خلاف بين أهل اللغة أن الأمر طلب الفعل، فإذا وُجدت الصيغة على وجه الطلب والاستدعاء وُجد الأمر، وإذا انتفى الطلب بدلالة، لم يوجد حقيقة الأمر. فعُلم أن الصيغة إنما تصير أمرًا لمطابقتهـ[ـا] طلب القائل لها الفعل، من المقول له، وإنما ينتفي كونه أمرًا لانتفاء هذه المطابقة.
قوله: إن الصيغة إنما تكون أمرًا إذا أراد كونها أمرًا- قلنا: نحن في البحث عن ماهية الأمر- أن الأمر ما هو؟ فلا بد وأن نعقل معنى كون الكلام أمرًا، ليصح تعلق الإرادة به، بخلاف الخبر. لأن معنى كون الكلام خبرًا معقول، وهو كونه إعلامًا، فإرادة كون الكلام خبرًا عن كون زيد في الدار، إرادة كونه إعلامًا بكون الزيد في الدار، فأما ههنا: إذا لم نعقل كون الكلام أمرًا، [فـ] كيف نعقل تعلق الإرادة به؟
[ ٥٥ ]
فإن قيل: معنى كون الكلام أمرًا هو أنه أريد به الفعل المأمور به- قلنا: إن عنيتم بهذه الإرادة الطلب والاستدعاء للفعل الذي تناوله الأمر، فقد صرتم إلى الوفاق. وإن عنيتم به حقيقة الإرادة- فهذا باطل، لأن الله تعالى أمر الكفار بالإيمان، ولم يرد منهم الإيمان، لما عرف المذهب السديد. ولأن الواحد منا قد يأمر عبده العاصي بالفعل ويريد أن لا يفعله، ليظهر عصيانه عند الناس، فلا يمنعونه عن ضربه ولومه، فعلم أن كونه أمرًا لا يقف على إرادة الفعل- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فإنه ليس بأمر، وإن وجدت الصيغة وإرادة ما تناولته- دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ﴾ [فـ] ليس بأمر، وقد وجدت الصيغة وإرادة تحصيل الفعل منهم.
فإن قيل: قد شرطتم في كون هذه الصيغة أمرًا أن يكون [القائل] طالبًا للفعل من المقول له- فلم قلتم إنه طالب منه ذلك، وبِمَ يُعرف ذلك منه؟:
فإن قال بالأمر- قلنا: معرفة كونه أمرًا، متعلق بالطلب، فكيف يمكن إثبات كونه أمرًا بالطلب، والعلم به موقوف على كونه أمرًا؟ - قلنا: نحن لا نستدل على الطلب بالأمر من حيث هو أمر، بل من حيث إنه على هذه الصيغة المخصوصة، لأن هذه الصيغة في الأصل وضعت لطلب الفعل، فنستدل بنفس الصيغة عند فقد القرائن على الطلب، ثم نحكم بكونه أمرًا بعد الوقوف على الطلب.
فإن قيل: المرجع في كون الصيغة أمرًا نفس الصيغة- إذن، فهلا قلتم بأن
[ ٥٦ ]
الأمر أمر بصيغة ابتداء كما قال البعض؟ - قلنا: قول القائل الأمر أمر لصيغته، يقتضي أن لا يشترط في كونه أمرًا شيء آخر وراء الصيغة، وقد بينا اشتراط شرط آخر.
وإذا ثبت هذا- نقول في حد الأمر: إنه القول المقتضي لاستدعاء الفعل بنفسه على جهة الاستعلاء، لا على جهة التذلل. وقد دخل في هذا الحد قولنا: "افعل" و"ليفعل".
ولا يلزمنا أن نسمي قول القائل: "أوجبت عليك أن تفعل" أمرًا، لأنه لا يقتضي طلب الفعل بنفسه بل بواسطة تصريحه بالإيجاب.
ولا يلزمنا النهي عن أضداد الشيء حيث يفقد الطلب وليس بأمر، لأنه لا يدل على الطلب بنفسه، بل بواسطة قبح تلك الأضداد واستحالة انفكاك المكلف عنها إلا إليه.
ولا يلزمنا قول القائل: "أريد منك أن تفعل"، لأنه لا يدل على الطلب بنفسه، بل بواسطة تصريحه بالإرادة.
فإذن سلم الحد عن التناقض.
والله أعلم.
[ ٥٧ ]