ذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أن صيغة "افعل" حقيقة في الأمر الذي هو طلب الفعل، مجاز في غيره.
وكذلك قولنا: "لا تفعل" حقيقة في النهي الذي هو طلب الترك، مجاز في غيره.
وذهب بعض الناس إلى أن صيغة "افعل" مشتركة بين الأمر الذي هو طلب الفعل، وبين التهديد على الفعل والإيجاب والندب والإرشاد والإباحة، وجعلوها حقيقة في هذه الأشياء. وكذلك قول القائل: "لا تفعل": مشتركة بين النهي الذي هو طلب الترك وبين التهديد على الترك.
واستدلوا على ذلك بالاستعمال- فقالوا: إن قولنا: "افعل" كما هو مستعمل في الأمر الذي هو طلب الفعل، مستعمل في الندب والإباحة والإرشاد والتهديد على الفعل، فلما وجب كونه حقيقة في الأمر، وجب كونه حقيقة في هذه الأشياء، لمكان الاستعمال فيها.
ونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه: [بـ] أن هذه الصيغة لو كانت مشتركة بين الأمر الذي هو طلب الفعل وبين التهديد على الفعل، لكان اقتضاؤه لكل واحد من المعنيين على سواء، ولكان لا يسبق إلى الفهم أحدهما إلا بقرينة، كاسم اللون: لما كان مشتركًا بين السواد والبياض لا يسبق إلى فهم السامع أحدهما إلا بقرينة، ونحن نعلم أن قائلًا لو قال لغيره "افعل" كان الأسبق إلى الأفهام طلب الفعل دون غيره- فعلمنا أنه حقيقة فيه مجاز في غيره، كما نعلم أن اسم الحمار لو لم يكن حقيقة في البهيمة ومجازًا في البليد، لما كان الأسبق إلى أفهامنا- عند إطلاق اسم الحمار- البهيمة دون البليد.
[ ٥٨ ]
وقوله: إن أهل اللغة استعملوها في هذه المعاني- قلنا: بلى، ولكن لم قلتم بأن إطلاق الاستعمال دليل الحقيقة؟:
فإن قال: استعمال الاسم لا يكون إلا في حقيقته- قلنا: هذا باطل بأسماء المجاز. فإن منع كون اسم الحمار مجازًا في البليد، فقد أبطلناه. وإن سلم ذلك لكنه فصل بين استعماله في البهيمة وبين استعماله في البليد بوجه- فنحن نفصل بين استعمال هذه الصيغة في الأمر وبين استعمالها في التهديد بذلك الوجه. ثم ذلك الوجه هو نفي الاطلاد، فإنه لا يصح أن يقال: "طلب منه الفعل على جهة الحتم وما أمره به"، ويصح أن يقال: "هدده على الفعل أو أباح له أو أرشده، أو ندبه إليه وما أمره به".
فإن قالوا: إن الأصل استعمال اللفظ في موضوعه، فنقول: أيش تعني بهذا الأصل؟ فإن قال: أعني به أن الظاهر استعماله في ذلك إلا أن يمنع منه مانع، وفي استعمال المجاز منع من ذلك مانع، وهو علمنا باضطرار أن أهل اللغة تجوزوا بهذه الأسامي في هذه المعاني- قلنا: أيش تعني بهذا الظاهر؟ إن كان تعني به ما يبين لنا ويظهر من فعل أهل اللغة أنه حقيقة فيه، فهو المتنازع فيه. وإن كان تعني به أن الأغلب ذلك، قلنا: لم قلتم إن الأغلب ذلك؟ ولئن كان الأغلب ذلك، ولكن هذا لا يفيد إلا الظن، وأسماء الحقائق لا تثبت بالظنون- والله أعلم.