ذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أنها تفيد الوجوب.
وذهب بعضهم إلى أنها لا تفيد الوجوب، وإنما تفيد الإباحة.
[ ٥٩ ]
وذهب بعضهم إلى أنها تفيد الندب.
وذهب بعضهم إلى أنها تفيد حسن المأمور به، ونتوقف في مله على الوجوب والندب والإباحة على قيام الدليل.
وذهب جماعة من المتكلمين إلى أنها تفيد إرادة المأمور فقط، وجرى قوله: "افعل" مجرى قوله: "أريد منك أن تفعل".
- واستدلوا على صحة مذهبهم- فقالوا:
إن أهل اللغة لم يفصلوا بين السؤال والأمر إلا من حيث الرتبة، فقالوا: السؤال قول القائل لمن فوقه "افعل"، والأمر [قوله] لمن دونه "افعل". ولو كان بينهما فصل من حيث الإيجاب لفصلوا بينهما بالذكر، كما فصلوا بينهما بالرتبة. ثم السؤال لما لم يقتض الإيجاب، فكذا الأمر.
وقالوا: أيضًا: إن الأمر ضد النهي، ثم النهي يقتضي كراهة المنهي عنه، فالأمر وجب أن يقتضي إرادة المأمور تحقيقًا للمضادة.
- وأما من حمل على الإباحة-[فـ] قال: إن هذه الصيغة وُضعت في الأصل لإزالة الحظر ورفع الحرج، فيُحمل عليه، لأنه متيقن، ولا يحمل على ما وراء ذلك إلا بدليل.
- ومن حمله على الندب- قال: إن هذه الصيغة وُضعت للطلب، ثم الطلب على مرتبتين: قد يكون إيجابًا وقد يكون ندبًا، فيُمل على أدنى مرتبتيه، لأنه متيقن.
- ومن حمله على حسن المأمور به وتوقف في قضاياه الأُخر- قال: إن الحكيم لا يأمر بشيء قبيح، فدلَّ على حسنه لا محالة، وما وراء ذلك لا دليل عليه،
[ ٦٠ ]
ولأن الأمر ضد النهي، ثم النهي يقتضي قبح المنهي عنه، فالأمر وجب أن يقتضي حسن المأمور به.
لكنا نستدل على صحة ما ذهبنا إليه- فنقول:
قول القائل "افعل" يقتضي أن يفعل المقول له الفعل، لا محالة. ونعني بذلك أنه ينبغي أن يفعل ويمنع من الإخلال به. ولا نعني بوجوب الفعل سوى المنع من الإخلال به، واختصاصه بحال يلام على الإخلال به.
وإنما قلنا ذلك:
- أما اقتضاؤه الفعل، فظاهر، لأن قوله "افعل" صريح في طلب الفعل واستدعائه. كما أن قول القائل: "زيد فاعل" صريح في الإخبار عن كونه فاعلًا.
- وأما اقتضاؤه الفعل لا محالة على التفسير الذي ذكرنا، فلأن تارك الفعل المأمور به يوصف بالعصيان- قال الله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾، وتقول العرب: "أمرتك فعصيتني" أي لم تفعل، وقال الشاعر: "أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني" والعاصي هو المقدم على ما منع منه الآمر، فلولا أن ترك الفعل المأمور به ممنوع بقضية الأمر لما وُصف بالعصيان.
[ ٦١ ]
فإن قيل: لم قلتم إن استحقاق اسم العصيان باعتبار مخالفة الأمر؟ ولم قلتم إن مخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه؟ قلنا:
أما الأول- فلأن أهل اللغة أعقبوا المعصية على الأمر بحرف الفاء فقالوا: "أمرتك فعصيتني"- عرفنا أن لتقدم الأمر تأثيرًا في استحقاق اسم المعصية، كمن قال لغيره: "إن دخل زيد الدار فأعطه درهمًا" يقتضي أن لدخول الدار تأثيرًا في استحقاق العطية.
وأما الثاني- فالدلالة عليه من وجهين:
أحدهما- أن الله تعالى إذا أمرنا بشيء فلم نفعله كنا عصاة، وإذا ندبنا إلى شيء فقال: "الأولى أن تفعلوه ولكم أن لا تفعلوه" فلم نفعله لم نكن عصاة، وما الفصل بينهما إلا من حيث إن الأمر بالفعل يمنعنا عن الإخلال به، وترغيبنا في الشيء مع التخيير لا يمنعنا عنه.
والثاني- أن العاصي هو المقدم على مخالفة الأمر، إذ لا فرق بين قول القائل: "عصى أمري" وبين قوله: "خالف أمري"، ومخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الآمر، لأن ما لا يتعرض له الآمر بمنع، فالإقدام عليه لا يكون مخالفة المر، فإن الله تعالى إذا أمرنا بالصلاة غدًا، فتصدقنا اليوم، لم نكن مخالفين للأمر، لأن الأمر بالصلاة غدًا لا يتعرض لتصدقنا اليوم بمنع.
إذا ثبت هذا [فـ] نقول:
تارك الفعل المأمور به عاص، والعاصي هو المقدم على مخالفة الأمر،
[ ٦٢ ]
ومخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع من الآمر، فدلَّ أن ترك الفعل المأمور به ممنوع بقضية الأمر، وصار كأن الآمر قال: "افعل هذا الفعل وأنت ممنوع عن الإخلال به وملوم عليه" وهذا هو المعنى بالوجوب.
فإن قيل: أليس أن المستشير إذا ترك ما أشير إليه في الأمر يوصف بالعصيان، فإن المشير يقول: "أشرتك على كذا فعصيتني" ثم لا يدلُّ ذلك على الوجوب- قلنا: نحن ندعي في هذه الصيغة أنها طلب للفعل ومنع عن الإخلال به، فأينما وجدت أفادت فائدتها إلا أن يمنع من ذلك مانع. وأما المستشير فقد وجد الطلب والمنع في حقه، فإن المشير إذا قال: "افعل كيت وكيت من الرأي الجزم" فقد طلب منه الفعل ومنعه عن الإخلال به، فإذا عدل عنه المستشير يوصف بالعصيان، حتى لو رخصه في الترك بان قال: "الرأي هذا والأولى أن تفعله وإن لم تفعله فلا بأس به" لا يصير عاصيًا بتركه، وصار بمنزلة صريح الإيجاب، ثم صريح الإيجاب يفيد الوجوب إذا صدر ممن هو أهل الإيجاب، ولا يفيده إذا صدر ممن ليس بأهل الإيجاب على المأمور- فكذا هذا.
دليل آخر- العرف. وهو أن السيد إذا قال لعبده "افعل" فلم يفعل، لامه العقلاء من أهل اللغة، واستحسنوا لومه من المولى وعقابه- فلولا أنهم عقلوا منه الإيجاب، لما استحسنوا لومه وعقابه.
[ ٦٣ ]
فإن قيل: إنهم ما عقلوا الإيجاب من نفس الصيغة، بل من دلالة الحال. وبيانه: أنهم علموا باضطراد من حال السيد أنه لا يأمر عبده إلا بما يحتاج إليه في جلب منفعة أو دفع مضرة، وذلك يقتضي أنه كاره من العبد تركه، حتى إنه لو أمره بشيء يعود نفعه إلى العبد خاصة- نقول: لا يجب عليه ذلك- قلنا: العقلاء كما استحسنوا ذمة، بينوا العلة فيه، فقالوا: السيد قال له: "افعل" فلم يفعل، ولم يسألوا المولى "هل قرنت أمرك بدليل يقتضي الإيجاب؟ " فعرفنا أن علة استحقاق الذم مخالفة أمره لا ما ذكرتم، على أن كون السيد منتفعًا بشيء لا يدل على أنه كره من العبد تركه، لجواز أن يكون قد كره من العبد تركه، وإنما يعرف كونه كارهًا من العبد تركه إذا دلَّ السيد على ذلك، والأمر عندكم لا يدل على الوجوب ولا على كراهة ترك المأمور به، فكيف يعرف كونه كارهًا الترك من العبد خاصة؟ .
قوله: بأن السيد لو أمره بشيء يعود نفعه إليه خاصة، لا يجب عليه- قلنا: ليس كذلك، بل يجب على العبد امتثال أمر السيد، سواء أمره بشيء يعود نفعه إليه أو إلى السيد، على أن يعود من النفع إلى العبد فهو عائد إلى المولى، لن العبد ملكه، فما يعود إلى العبد بصلاح كان عائدًا إلى المولى بصلاح ملكه.
فإن قيل: هذا تكلم في غير محل النزاع، لأن النزاع في أن الأمر في اللغة هل وضع للإيجاب؟ وهذا رجوع إلى العرف لا إلى أصل اللغة- قلنا: إذا ثبت أن العرف هذا، [فقد] ثبت أن الوضع في الأصل على هذا، لما مرَّ في الأبواب المتقدمة: أن العرف يكون على وفاق الوضع إلا بدليل معارض، على أن الكلام هنا في تعيين ما يحمل عليه بصيغة الأمر، لا في الجهة، وقد ثبت ذلك بما ذكرناه.
وقد استدل على أن أوامر الله تعالى وأوامر الرسول ﵇ على الوجوب بأدلة سمعية: منها- قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
[ ٦٤ ]
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: حذر على مخالفة الأمر وتوعد عليه، ومخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الآمر- دلَّ على أن ترك الفعل المأمور به محذور متوعد عليه، وهو المعنى بالوجوب، والدليل عليـ[ـه] أنه حذرهم من مخالفة الأمر، فإنه قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾، فالله تعالى حثهم على الرجوع إلى أقواله والتزام العمل به- قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ - دلَّ أنه إنما حذَّرهم عن مخالفة ما قد دعاهم إليه من الرجوع إلى أقواله والتزام العمل به. وإن كان "الهاء" في "أمره" راجعًا إلى اسم الله تعالى، فذاك يقتضي الرجوع إلى أوامر الله تعالى ووجوب العمل بها.
فإن قيل: لم قلتم إن مخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الآمر، بل مخالفة الأمر هو إنكار حقيقته. ولئن كان مخالفة الأمر ما ذكرتم، لكن المذكور في الآية ليس مخالفة الأمر بل المخالفة عن الأمر، فإنه قال: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، وذلك ما قلنا- قلنا: [أولًا] الدليل على أن مخالفة الأمر هو الإقدام على ما منع منه الامر، لا ما قلتم: إن المخالفة ضد الموافقة. ثم موافقة الأمر فعل ما يطابقه. ومما يوضح ذلك أن موافقة قول القائل "افعل" أن يفعل.
[ ٦٥ ]
فمخالفته: أن لا يفعل ضرورة. وأما الثاني- قلنا: "عن" هنا صلة في الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي ذنوبكم، وتقديره: فليحذر الذين يخالفون أمره- هذا هو المنقول عن أئمة التفسير.
ومنها- قوله تعالى: ﴿وإذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾: ذمَّهم على ترك الركوع إذا قيل لهم اركعوا، فلولا أن مطلق الأمر يقتضي الوجوب لما ذمَّهم عليه.
ومنها- قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ﴾ هذا استفهام خرج مخرج الذمِّ والتوبيخ، فالله تعالى ذمه على ترك السجود المأمور به، فلولا أنه يفيد الوجوب لما ذمَّه عليه. وكان لإبليس أن يقول: "الذي سوغني ترك السجود هو أنك ما ألزمتنيه بل رخصتني في الترك" لأن الأمر إذا لم يحمل على الوجوب كان فيه ترخيص الترك.
وقد استُدل على أن الأمر يقتضي الوجوب بوجه آخر، وهو أن الأمر متعدٍ: لازمُه "ائتمر" يقال: "أمرتُه فائتمر" كما يقال: "كسرتُه فانكسر" فهذا يقتضي أن يكون الائتمار ملازمًا للأمر قطعًا، كالانكسار والكسر- هذا هو قضية اللغة، إلا أنه يتعذر جعله ملازمًا له قطعًا، لتعلقه باختيار الفاعل، فوجب الحمل على الوجوب، لأنه يجعل الائتمار ملازمًا للأمر عادة، قضاء لحق اللفظ بقدر الممكن.
إلا أن هذا الوجه غير صحيح، والاعتراض عليه:
أن يقال: لا نسلم أن الائتمار الذي هو فعل المأمور به ملازم للأمر.
[ ٦٦ ]
قوله: "الأمر متعدٍ- يقال: أمرته فائتمر"- قلنا: ما معنى قوله: "ائتمر"؟ معنى ذلك أنه صار مأمورًا، كما في قوله: "كسرته فانكسر" أي صار مكسورًا. أو معناه: أنه امتثل المأمور به وفعله. [فـ] إن كان الأول: فمسلَّم، وذا لا يتوقف على الوجوب وعلى شيء ما سوى الأمر. وإن كان الثاني: [فـ] ممنوع أنه ملازم للأمر، وإنما يقال ذلك إذا امتثل الأمر. فأما إذا أخلَّ به فلا، بل يقال: "أمرته فما ائتمر" فكيف يكون ملازمًا له؟ وإذا لم يكن الامتثال والائتمار ملازمًا للمر، لم يجب ما قلتموه من الوجوب.
ومن وجه آخر، نقول: أهل اللغة يقولون: "أمرته فائتمر" قبل وجود الفعل المأمور به أو بعده؟: إن قال: "قبله"- فممنوع، وإن قال ذلك كان كذبًا وباطلًا. وإن قال "بعده"-[فـ] مسلم، ولكن وجوب الفعل يكون قبل وجوده لا بعده.
فإن قال: التعلق بهذا الاستعمال من وجه آخر، وهو أن الفعل المأمور به إذا وُجد فأهل اللغة يسمونه "ائتمارًا" ويقال: "أمر فائتمر". وهذا إنما يستعمل في ملازم الفعل كقولهم: "كسره فانكسر". وإذا كان وجود المأمور به على وجه اللزوم له، [فـ] لا بد أن يتحقق فيه كونه ملازمًا للأمر، وذلك يحمل على الوجوب على ما مر- قلنا:
أولًا- هذا باطل بالندب، فإنه يقال "ندبه إلى كذا فانتدب بندبه" أي "فعل ما ندبه إليه"، وهو جار مجرى الملازمة كالكسر مع الانكسار. ثم هذا لا يقتضي كون الندب إيجابًا والمندوب إليه واجبًا.
والثاني- أن هذا الاستعمال، إذا كان بعد وجود الفعل، يعتقد أن الأمر
[ ٦٧ ]
الذي اتصل به المأمور به كان، مع تواني حصوله، لكن لا بجهة الوجوب بل بجهة أخرى، وهو أن تعظيم حال الآمر ورعاية جانبه دعاه إلى الفعل، وأثر ذلك في صدور الامتثال والائتمار ملازمًا له، هذا القدر يكفي لتحصيل هذا الاستعمال، فلا حاجة إلى الوجوب- دل عليه أن قول القائل: "أمره فائتمر بأمره وامتثل أمره" يستعمل على وجه تعظيم الآمر وذلك فيما قلنا.
والثالث- أن هذا يقتضي أن الأمر الذي يتصل به المأمور به ويوجد الامتثال هو المقتضي للوجوب، لا الأمر قبل وجود الفعل، لأنه إنما يقال عند وجود الفعل "أمره فائتمر"، فأما عند عدمه، [فـ] لا يقال ذلك، بل يقال: "أمره فلم يأتمر"، والكلام في اعتقاد وجوب الفعل المأمور به قبل الفعل.
وأما شُبه الخصوم:
أما الاستدلال بالسؤال- قلنا: لا فرق بين السؤال والمر في الحقيقة من حيث إن كل واحد منهما طلب الفعل لا محالة، ومنع من الإخلال به، فإن من قال للأمير: "اخلع ليَّ" يجد من نفسه طلب الفعل لا محالة، كما في الأمر، وطلب الفعل لا محالة إيجاب الفعل على ما مرَّ، فجرى قول القائل: "افعل" مجرى قوله: "أوجبت عليك أن تفعل". ثم السائل إذا قال للمسئول "أوجبت عليك أن تفعل" لا يجب عليه شيء، فكذا إذا قال له: "افعل". فأما إيجاب الله تعالى وإيجاب الرسول ومن يفترض على المقول له طاعته-[فـ] يقتضي الوجوب، فكذا قوله "افعل".
[ ٦٨ ]
وأما الاستدلال بالنهي- قلنا: النهي لا يقتضي كراهة المنهي عنه ابتداء، بل يقتضي طلب الانتهاء والمنع من الفعل، كما في الأمر على ضده. ثم الكراهة لو ثبتت، ثبتت تبعًا له- فكذا الإرادة في الأمر.
وأما قولهم: إن هذه الصيغة وضعت للإباحة- قلنا: ليس كذلك، بل قضية الدليل حمله على الوجوب على ما مرَّ.
وقولهم: إن الأمر يدل على حسن المأمور به- قلنا: بلى، ولكن لا ينفي حمله على الوجوب، وقد دللنا عليه. والاستدلال بالنهي باطل، على ما مرَّ.
والله أعلم.