ذهب أصحابنا وأكثر الناس إلى أن الأمر الوارد بعد حظر سمعي أو عقلي يفيد ما كان يفيده، لو لم يتقدمه الحظر، من وجوب.
وذهب بعض الناس إلى أنه يفيد الإباحة إذا ورد بعد حظر سمعي.
فالحظر العقلي ما دلَّ العقل على حظره ظاهرًا أو غلَّب الظن حظره، لا ما هو محظور بالعقل قطعًا، كالكفر والكذب والظلم: فإنه لا يجوز ورود الأمر به.
واستدلوا على ذلك بأن قالوا بأن الأمة أجمعت على حمل قوله تعالى:
[ ٦٩ ]
﴿وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ على الإباحة، وليس الوجه في ذلك سوى وروده بعد الحظر بالإحرام أو الصلاة، حتى لو ورد قبله يفيد الوجوب. ولأن الظاهر من حال المحظور بالنهي أن لا ينتقل إلى الوجوب، فكان تقدم الحظر دليلًا على أن المتكلم أراد به إزالة الحظر ورفع الحرج، وهذا معنى الإباحة.
ونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه بأن هذه الصيغة إذا تجردت عن القرينة، فإنها تفيد الوجوب، لكون الصيغة- موضوعة له، ولصدوره من حكيم يريد به ما وُضع له- وهذا الوجه ثابت بعد الحظر، فيحمل على الوجوب.
فإن قيل:
-[أولًا] لم قلتم إن هذه الصيغة موضوعة للإيجاب بعد الحظر، وما أنكرتم أنها موضوعة للإباحة، إما لغة وإما عرفًا.
- والثاني: إن لم تكن موضوعة للإباحة بعد الحظْر، ولكن لِمَ قلتم: إن تقدم الحظر لا يدل على أن المتكلم أراد به الإباحة، بل يدل على ذلك، لما ذكرنا: أن الظاهر من حال المحظور بالنهي أن لا ينتقل إلى الوجوب، والفقه فيه أن سابقة الحظْر دليل على ميل الطبع إليه، إذ لا يَحْسُنُ النهي عن الشيء والتوعيد عليه إذا لم يكن في الطبع داع إليه، وإذا كان في الطبع دعاء إليه، يكفيه الإباحة
[ ٧٠ ]
ولا يحسن فيه الإيجاب، إذ لا يحسن إيجاب فعل يشتبه الإنسان والتوعيد على تركه.
قلنا:
-[الأول] المفهوم من هذه الصيغة- البعث على الفعل والحث عليه على ما مر، وذلك ينافي التخيير، والإباحة فيها تخيير، فكيف تكون موضوعة لها؟ على أن هذا قول لم يشهد به أهل اللغة، وهو جار مجري قول القائل: "الأمر موضوع للوجوب في مكان دون غيره" وهذا فاسد.
- وأما الثاني- قلنا: وروده بعد الحظر إنما يدل على أن المستعمل أراد به ما ذكرتم: أن لو لم يجز أن ينتقل الفعل من الحظر إلى الوجوب، وقد جاز ذلك- فإن الفعل بعد حظر عقلي ينتقل إلى الوجوب، حتى إن الأمر به يفيد الوجوب، فكذا يعد حظر سمعي، فإن الله تعالى نهى الحائض عن الصوم والصلاة، ولا يمتنع وجوبها عليها بعد ذلك بالأمر، ومتى جاز ذلك، لم يكن تقدم الحظر دليلًا على الإباحة.
وقوله: الظاهر من حال المحظور بالنهي أن لا ينتقل إلى الوجوب- قلنا: لا نسلم بأن الظاهر ذلك.
وقوله: بأن تقدم الحظر دليل على أن في الطبع دعاء إليه- قلنا: لا نسلم بأن الظاهر ذلك، فإن الله تعالى كما نهانا عما تميل طباعنا إليه، نهانا عما تنفر
[ ٧١ ]
طباعنا عنه إذ [اتصف] بوجه من وجوه القبح. ولهذا نهانا عن شرب البول وسائر الخبائث وعن قتل النفس والإيلام وغير ذلك. وهذا لأن أمر الشرع ونهيه يتبع المصلحة، فإن كانت المصلحة بالأمر بالشيء يأمر به وإن كان الطبع يدعو إليه، وإن كانت في النهي ينهي عنه وإن كان الطبع ينفر عنه- وهذا لأن الشيء الذي ينفر عنه الطبع جاز أن يتراءى للعبد حصول مصلحة به، فيقدم عليه مع نفرة الطبع عنه، لتحصيل تلك المصلحة بزعمه، فإذا لم يكن ذلك مصلحة ينهي الشرع عنه. ثم إذا اشتمل على وجه المصلحة يأمر به ويوجبه. وقد يختص الفعل بجهتين: إحداهما ينفر عنه الطبع، والأخرى يدعو إليه الطبع، فإن كانت المصلحة في الامتناع عنه ينهي الشرع عنه، وإن كانت في الإقدام عليه يأمر به ويوجبه. وإذا جاز أن ينتقل المحظور، بالنهي، إلى الوجوب، فتقدم النهي لا يدل على الإباحة.
وأما حمل قوله تعالى: ﴿وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ على الإباحة، [فـ] عدول عن ظاهر الأمر بدليل، وليس يجب، إذا عدل عن ظاهر بعض النصوص بدليل، أن يعدل عنه في جميعها من غير دليل، كألفاظ العموم: حمل بعضها على الخصوص بدليل، ولا يجب لأجل ذلك حمل جميعها على الخصوص من غير دليل.
والله أعلم.
[ ٧٢ ]