ذهب الفقهاء إلى أنه يفيد وجوب واحد منها غير عين- وهو أحد قولي الكرخي ﵀.
وذهب المتكلمون إلى أنه يفيد وجوب الكل على طريق البدل. وهو قوله الاخر. ونظيره الأمر بالكفارات الثلاث.
[ ٧٣ ]
أما الفقهاء- فقد استدلوا على صحة مذهبهم بوجوه:
منها- أن المكلف لا يلزمه فعل جميعها، ويسقط عنه التكليف بفعل واحد منها. ولو كان الكل واجبًا لما كان كذلك.
ومنها- أنـ[ـه] لو كان الكل واجبًا، فلو فعل جميعها معًا، لوقع الكل واجبًا، إذا ليس البعض بأولى من البعض، وفي ذلك إيجاب الكل على طريق الجمع، لا على طريق البدل.
ومنها- أنه لو أخلَّ بجميعها يستحق العقاب بترك واحد منها. ولو كان الكل واجبًا، لكان يستحق العقاب بترك الكل. ولو فعل جميعها [لكان] يستحق ثواب الواجب على كل واحد منها- وهذا فاسد.
وأما المذهب الثاني:
فقبل أن يشرع في إقامة الدلالة على صحته، يبحث عن محل الخلاف: إن الخلاف راجع إلى العبارة أو إلى المعنى؟ فنقول:
إن كان الفقهاء عنوا بكلامهم أن المختص بجهة الوجوب كل واحد منها، والكل متساو في ذلك، إلا أنه يسقط التكليف بفعل واحد منها- فالخلاف يكون في العبارة. وإن عنوا به أن المختص بتلك الجهة واحد منها، وهو متعين عند الله تعالى، غير متعين عند العبد- فالخلاف إذن يكون في المعنى. فنقيم الدلالة على بطلان ذلك- فنقول:
[ ٧٤ ]
لو كان الواجب واحدًا منها لعيَّنها الله تعالى، لأن تكليف ذلك الواحد، مع ما أنه ليس إلى العبد معرفته سبيل، تكليف ما ليس في الوسع، وذا لا يجوز. ولأن الواجب والمختص بجهة الوجوب، لو كان واحدًا منها، لما جاز التخيير بينه وبين غيره، لأنه حينئذ يكون تخييرًا بين الواجب وغير الواجب، وفي ذلك إباحة الإخلال بالواجب، وذا لا يجوز.
فإن قيل: إنما جاز التخيير لما أن في علم الله تعالى أنه لا يختار إلا الواجب والمختص بتلك الجهة- قلنا: لو جاز من المكلفين مع كثرتهم وتفرق رأيهم وطول زمانهم وقوع المصلحة دون المفسدة اتفاقًا، لجاز وقوع التصديق بالأنبياء من جملة الكاذبين ممن لا يعرف الفصل بينهما اتفاقًا، ولجاز وقوع الفعل المُحْكَم ممن لا علم له به أصلًا- وهذا فاسد عند العقلاء. ولئن جاز ذلك، لم يخرج هذا من أن يكون تخييرًا من الله تعالى بين الواجب وغير الواجب، وإباحة الإخلال بالواجب- وهذا فاسد أيضًا، فإن الأمة مجمعة على أن المكفر بواحدة من الكفارات الثلاث لو كان قد كفر بغيرها، أجزأه وكان إتيانًا بما تعبد به، فلولا أن الكل واجب، لما جاز، ولما كان آتيًا بما تُعبد به.
فإن قيل: إنما جاز التخيير، لما أن لاختيار العبد تأثيرًا في جعل الفعل مصلحة وواجبًا، فإذا اختار واحدة منها صارت تلك الواحدة مصلحة وواجبًا، لأن الاختيار صادفها- قلنا: هذا السؤال يقتضي أن لا يكون الفعل مصلحة وواجبًا قبل الاختيار، والإجماع انعقد على ثبوت الوجوب قبل الاختيار، إما في واحدة منها أو في الكل، وكان يجب إذا كفر بغير هذه الأشياء الثلاثة أجزأه، لأن الاختيار صادفه.
[ ٧٥ ]
فإن قال بأن الاختيار إنما يؤثر في جعل الفعل مصلحة وواجبًا إذا صادف هذه الأشياء الثلاثة، وإذا كفر بغيرها لم يصادف الاختيارُ هذه الأشياء الثلاثة، ولا يؤثر في جعله مصلحة وواجبًا- قلنا: بهذا السؤال سلمتم أن هذه الأشياء الثلاثة اختصت بجهة فَاوَقَت بها ما ليس منها، وهي الجهة التي لأجلها يصير الفعل مصلحة وواجبًا، فقد سلمتم ما نريده من أن كل واحد يسد مسد صاحبها في مصلحة الوجوب. فبعد ذلك يبقى ما قلتموه: أن لاختيار العبد تأثيرًا في جعل الفعل مصلحة، وهذا باطل، لن المكفر بهذه الأشياء عالم بها، والعالم بالفعل لا بد أن يقصد الفعل ويريده. وما لا بد للفعل منه، لا يجوز أن يجعل مؤثرًا في حكم من أحكام الفعل أو شرطًا فيه، إذ لو لم يكن ذلك، لجاز أن يجعل اختيار فعل كل واجب مؤثرًا وشرطًا لصحة وجوبه، وذلك باطل.
وأما الجواب عن كلمات المخالفين:
أما الأول- قلنا: الكل واجب عندنا على البدل، ونعني بذلك أن كل واحد منها سادٌّ مسد الآخر في حصول المصلحة التي يجب استيفاؤها. فإذا فعل واحد منها، فقد حصلت المصلحة مستوفاة، فلم يبق شيء تكون الثانية مصلحة فيه، فتسقط ضرورة.
وأما الثاني- قوله لو فعل جميعها لكان الكل واجبًا- قلنا: إن عنيتم بهذا الكلام أن المكلف يلزمه تحصيلها بعد ما صارت مفعولة- فهذا محال.
[ ٧٦ ]
وإن عنيتم به أن هذه الأشياء حصلت على صفات [و] لمكان تلك الصفات كان قد لزم المكلف تحصيلها -فنحن نقول به: إن كل واحدة منها صارت على تلك الصفة.
فإن قيل: إذا فعل المكلف معًا، لا يخلو: إما أن يسقط الواجب بجميعها، أو بكل واحدة منها، أو بواحدة منها: إن قلتم: بجميعها، كان قولًا بوجوب الكل على طريق الجمع لا على طريق البدل. وإن قلتم بكل واحدة منها، كان ذلك حصول الأثر عن مؤثرين، وذا لا سبيل إليه. وإن قلتم بواحدة منها، كانت الواجبة تلك الواحدة- قلنا: الفرض عندنا يسقط بكل واحدة منها، لأن الكل واجبة على البدل، فلم يكن البعض بسقوط الفرض به أولى من البعض، ولا استحالة ثبوت الأثر عن مؤثرين على المقارنة، فإن من ارتد حَالمًا قَتَل عمدًا يستحق قتله بكل واحدة من الردة والقتل. وكذا إذا انكشفت عورته في الصلاة حالمًا تكلم أو أحدث يخرج من الصلاة بكل واحدة من هذه الأسباب.
وأما الثالث- قلنا: إذا أخل بجميعها-[فـ] عندنا، يستحق العقاب بترك الكل، لأن الكل واجب على البدل على ما مرَّ. غير أنه يستحق على الإخلال بالكل عقاب أدونها عقابًا، لأنه لو فعل تلك الواحدة لا يستحق العقاب بترك الباقي، فكذا إذا استوفى عقاب تلك الواحدة، لنه جرى مجرى فعل تلك الواحدة.
قوله: لو فعل جميعها ينبغي أن يستحق ثواب الواجب بكل واحدة منها- قلنا: عندنا: يستحق ثواب الواجب بكل واحدة منها، لما مر أن الكل واجب على البدل.
[ ٧٧ ]
فإن قيل: قد منعتم ورود التعبد بشيء واحد من جملة هذه الأشياء لا بعينه، وقد ورد الشر عبه بالإجماع:
- منها- إذا باع قفيزًا من صُبرة يجوز، والمعقود عليه قفيز واحد غير عين لا جميع القفزان.
- ومنها- أن من طلق إحدى نسائه لا يعينها أو أعتق أحد عبيده لا بعينه، فالمطلقة واحدة غير عين والمعتق واحد غير عين، وإليه الخيار في التعيين.
- ومنها- أن الحانث في يمينه لا يلزمه عتق جميع الرقاب بل عتق رقبة واحدة غير عين ويتعين بتعيينه.
والفقه في جميع ذلك: أن الإيجاب ليس بإثبات صفة حقيقية للفعل، حتى يقال إن إثبات صفة في محل، لا يتعين عند المثبت، محال، كإثبات السواد في محل غير عين، إنما هذا من باب الذكر وتعليق الخطاب بالمذكور، فالواجب ما قال الشارع فيه "افعل" لا على جهة التخيير، وهذا يتصور في الواحد غير عين، كما ذكرنا من النظائر.
قلنا:
نحن لا نجوز وجوب فعل من الأفعال غير عين، والتعبد به محال، لما ذكرنا.
وما ذكر من الأمثلة: فالمعقود عليه كل القفزان على البدل، لأنه لا اختصاص للعقد بقفيز دون قفيز، فإذا عين المشتري واحدًا منها، تعين ملكه فيه، وصار تعين ملكه فيه كسقوط الفرض في مسألتنا. وكذا إذا طلق إحدى نسائه، أو أعتق أحد عبيده، فكل واحدة منهن صادفها الطلاق، على البدل، لفقد الاختصاص بواحدة منهن، فإذا بين الزوج وعين واحدة للفرقة بعينها تعينت [و] لت له الباقيات. وكذا في العتق. وكذا الحانث في يمينه:
[ ٧٨ ]
يلزمه عتق كل رقبة يملكها، على البدل، على الوجه الذي ذكرنا.
وقوله: إن الوجوب ليس صفة للفعل- قلنا: ليس كذلك، لأن أحوال الأفعال واختصاصها بجهات تقتضي الوجوب في البعض والحرمة في البعض، ثابت عند العقلاء، لأن الأفعال في ذواتها، والصفات الذاتية لها، متماثلة، وإنما يوصف البعض بالوجوب عقلًا وشرعًا، والبعض بالحرمة، لاختصاصها باسم يقتضي ذلك، وقد قررنا هذه القاعدة في موضعها.
وقول الشارع "افعل" كاشف عن وجه الوجوب فيه، على جهة الإجمال، لأنه إثبات للوجوب.
وقوله: إن الإيجاب ليس إلا قول الشارع "افعل"، فالواجب ما قيل فيه "افعل"- قلنا: هذا يرفع وجوب الواجبات العقلية قبل ورود السمع، كالإيمان بالله تعالى، وشكر المنعم، وغير ذلك، ويقتضي أن الظلم والكفر والكذب العاري عن النفع إذا قيل فيه "افعل" أن يصير واجبًا، وكل ذلك يأباه دليل العقل. ثم إن جرينا معه أن الإيجاب هو قول الشارع "افعل"، لكن إذا وقع [كان] طلبًا للفعل على جهة الحتم لا على جهة التخيير، وذا إنما يصح إذا كان للمكلَّف سبيل إلى العلم به، وأن لا يدخل التخيير بينه وبين غيره، ولو كان الواجب أحد الأشياء غير عين، لم يكن للمكلَّف سبيل إلى العلم به وكان مخيرًا بينه وبين غيره- على ما مرَّ.
والله أعلم.
[ ٧٩ ]