ذهب الفقهاء وجماعة من المتكلمين [إلى] أنه يدلُ على الإجزاء.
وذهب بعض المتكلمين إلى أنه لا يدل على الإجزاء.
واستدلوا على صة مذهبهم وقالوا: إن المعنى من الإجراء شيئان: أحدهما- أن معنى قولنا: "هذا الفعل مجزئ" أن لا يجب قضاؤه. ومعنى قولنا: "إنه غير مجزئ" أنه يجب قضاؤه. والثاني- معنى افجزاء انتفاء التكرار. ومعنى كونه غير مجزئ أنه يقتضي التكرار. والأمر لا يدل على الإجزاء بالمعنيين جميعًا، لا بذاته ولا بحكمه: أما بذاته، فإنه لا ينبئ عنه. وأما بحكمه، فلأن حكمه وجوب الفعل، ووجوب الفعل لا ينفي وجوب مثله- دلَّ عليه: أن الماضي في الحَجة الفاسدة مأمور بالمضي فيها، ثم إذا فعل يلزمه القضاء. وكذا الظانُّ على الطهارة في آخر الوقت مأمور بالصلاة مع هذا الظن، ثم لو فعل ذلك وذكر بعده أنه كان محدثًا، يلزمه القضاء. ولو ذكر في الوقت يلزمه مثلما فعل.
ونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه، فنقول: معنى قولنا: "هذا الفعل مجزئ" أي مسقط للتعبد به، وهو مختص بحالة يكتفي به في استيفاء المصلحة المطلوبة بالأمر. ومعنى قولنا: "غير مجزئ" أنه غير مسقط التعبد به وغير مختص بحالة يكتفي به في استيفاء المصلحة، إذ لا فرق بين قولنا: "هذا الشيء يجزئني" وبين قولنا: "يكفيني". ثم معنى قولنا: "هذا الشيء يكفيني" هو الاكتفاء به في غرض من الأغراض، فكذا قولنا: "يجزئني" أي يكفيني في أمر من الأمور.
[ ٨٠ ]
إذا ثبت هذا- نقول:
ظاهر الأمر يدل على الإجزاء، على هذا التفسير، لأن المأمور إذا فعل ما اقتضاه على الوجه الذي اقتضاه الأمر، سقط التعبد به، وحصلت المصلحة المطلوبة منه مستوفاة. لنه إذا فعل ذلك صار ممتثلًا للأمر، وإذا صار ممتثلًا للأمر يخرج عن عهدة الأمر، إذ يتناقض قول القائل: "امتثل الأمر" و"بقي عليه عهدة المر"، فكان مطلق الأمر مقتضيًا للإجزاء، إذ هو المقتضي للامتثال.
دليل آخر- إن مطلق الأمر لو لم يدل على الإجزاء على هذا التفسير، لكانت الصحابة ﵃ يراجعون النبي ﵇ في كل أمر صدر من الله تعالى ومن الرسول في دلالة الإجزاء، ولكثرت مراجعتهم، ولسنَّة النبي ﵇، ولنُقل إلينا ذلك نقل تواتر ونقل استفاضة لتوفر الدواعي ومساس الحاجة، وحيث لا يُنقل دلَّ أن مطلق الأمر يكفي دلالة على الإجزاء.
وقوله- معنى قولنا: "هذا الشيء مجزئ" أنه لا يجب قضاؤه أو لا يجب تكراره- قلنا: ليس كذلك، لأن القضاء يتبع مشاركة الفعل الثاني الأول في المصلحة، ويجوز أن يكون الفعل مأمورًا به بحالة لا يشاركه فعل آخر في استيفاء المصلحة، فإذا فات لا يجب قضاؤه، [و] إذا فعل لا على الوجه المطلوب لا يقع الإجزاء به، ولا يجب قضاؤه- دلَّ عليه أن من صلَّى في الوقت بغير طهارة ثم مات عقيبه لا يجب عليه القضاء، وهذا الفعل غير مجزئ.
فإن قال: بأن المجزئ ما لا يجوز له أن يجب قضاؤه، وغير المجزئ ما يجوز له أن يجب قضاؤه- قلنا: حاصل هذا يرجع إلى ما قلناه من تفسير الإجزاء، لأن الذي لا يجوز أن يجب قضاؤه ليس إلا أن يفعل ما تناوله الأمر على الوجه الذي تناوله الأمر، والذي يجوز أن يجب قضاؤه هو أنه فعل ما تناوله الأمر على الوجه الذي تناوله الأمر- فرجع الكلام إلى ما ذكرنا.
وأما التكرار- فمسألة التكرار غير مسألة الإجزاء، ومعنى الإجزاء غير ذلك،
[بذل النظر- م ٦]
[ ٨١ ]
لأنه جاز أن يقال: هذا الأمر لا يقتضي إيجاب فعل آخر، ولكنه لا ينفيه أيضًا، ومعنى الإجزاء نفي غيره والاكتفاء به في سقوط التعبد.
وأما قوله بأن الأمر لا ينبئ عن الإجزاء، وحكمه لا يدل عليه- قلنا: في الأمر وجه يدل على الإجزاء على ما مرَّ، وهو حسن المأمور به، فإن الأمر يدل عليه، وإن لم يكن منبئًا عنه.
وأما الماضي في الحَجة الفاسدة، فمأمور بالحَجة الصحيحة، ولم يفعل ذلك، فبقي الأمر عليه، غير أنه أُمر بالمضي في هذا الحج، بأمر آخر، وقد امتثل ذلك، فيسقط به الأمر. وكذا الظانُّ على الطهارة: مأمور بأداء الصلاة على الطهارة، ولم يمتثل ذلك الأمر، فبقي عليه، غير أنه مأمور بالصلاة مع هذا الظن بأمر آخر، وقد امتثله، فيسقط الأمر- أما ههنا [فـ] بخلافه- والله أعلم.