اعلم أن ما لا يتم المأمور إلا به ضربان:
أحدهما- ما لا يمكن تحصيله، نحو القدرة والآلات.
والآخر- ما يمكن للمكلَّف تحصيله.
فالأول- لا يرد الأمر به إلا مقيدًا بشرط حصوله، لأنه لو ورد الأمر بدونه لا يخلو: إما أن يقتضي إيجاب الفعل في كل حالة ويقتضي تحصيل القدرة والآلة، وهذا تكليف ما ليس في الوسع، أو يقتضي إيجاب الفعل في كل حال مع فقد القدرة والآلة، وهذا أيضًا تكليف ما ليس في الوسع.
وأما الآخر- فضربان:
أحدهما- أن يرد الأمر مقيدًا بشرط حصول ما يفتقر الفعل إليه، نحو أن يقول له: "اصعد السطح إن كان السلم منصوبًا" فهذا يقتضي إيجاب صعود
[ ٨٢ ]
السطح إن كان السلم منصوبًا، ولا يقتضي إيجابه إذا لم يكن السلم منصوبًا.
والآخر- أن يرد الأمر به مطلقًا من غير تقييد بشرط. نحو أن يقول "اصعد السطح" فالأمر بصعود السطح على هذا الوجه أمر بنصب السلم عندنا. ومعنى ذلك أنه يقتضي إيجاب صعود السطح، ثم إيجاب صعود السطح يقتضي إيجاب نصب السلم، فصار الأمر مقتضيًا ذلك بواسطة، لا أن هذا الأمر يصير أمرًا بنصب السلم حقيقة.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يقتضي وجوب نصب السلم، بل يتقيد الأمر بحال كون السلم منصوبًا.
دليلنا في ذلك- أن الأمر المطلق يقتضي إيجاب الفعل على كل حال، ثم إيجاب الفعل على كل حال يقتضي إيجاب ما يفتقر إليه من نصب السلم. والدليل على أن الأمر المطلق يقتضي إيجاب الفعل على كل حال أنه لا اختصاص له بوقت دون وقت وحال دون حال، فيقتضي إيجاب الفعل في كل زمان يتمكن من الفعل فيه، إذ لو قلنا إنه يقتضي إيجابه في بعض الأزمان دون البعض كان في ذلك تخصيصه بذلك الزمان، وهو خلاف الظاهر.
والدليل على أن إيجاب الفعل يقتضي إيجاب ما يفتقر إليه من نصب السلم، أن الفعل متى وجب عليه في جميع الأحوال: لو قلنا لا يجب عليه نصب السلم، أو مباح له تركه- كان فيه تكليف ما ليس في الوسع، أو إباحة الإخلال بالواجب، وهو باطل.
فإن قيل: هلا قلتم بأن الأمر بالصعود يتقيد بحال نصب السلم، حتى يجب عليه إذا كان السلم منصوبًا، ولا يجب عليه إذا لم يكن منصوبًا، وهذا أولى مما ذهبتم إليه، لأنا لو أوجبنا الصعود مع فقد السلم، كان تكليف ما ليس
[ ٨٣ ]
في الوسع، ولو أجبنا عليه الصعود على كل حال ثم أوجبنا عليه نصب السلم كان في ذلك إيجاب ما لا ذكر له في الأمر- قلنا: لا معنى لقول القائل: إن الأمر يتقيد بنصب السلم سوى أنه يلزمه الصعود إذا كان السلم منصوبًا: ولا يلزمه إذا لم يكن منصوبًا، وهذا باطل، لأن الأمر المطلق يقتضي إيجاب الفعل على كل حال، وليس إيجاب الصعود عليه مع فقد السلم تكليف ما ليس في الوسع، لأنه يمكنه أن يتوسل إليه بنصب السلم.
قوله بأن ذلك إيجاب ما لا ذكر له في الأمر- قلنا: إن لم يكن له ذكر في الأمر، لكن الأمر يدل عليه، ألا ترى أن إيجاب المسبب إيجاب السبب، فإن من أمر عبده بإيلام زيد كان لك أمرًا بالضرب، لأن الألم لا يحصل إلا به. وكذا إيجاب ستر الفخذ، يقتضي إيجاب ستر شيء من الركبة، لأنه لا يحصل إلا به- كذا هذا.
فإن قيل: لستم بأن تتمسكوا بإطلاق اللفظ وتتوصلوا به إلى إيجاب شيء لا ذكر له في الأمر، بأولى من أن نتمسك بظاهر اللفظ لنفي وجوب ما لا ذكر له في الأمر ونتوسل به إلى تقييد الأمر ببعض الأحوال وإخراج الفعل من أن يكون واجبًا في بعض الأحوال. فإذن قد تساوينا في أن كل واحد منا يعمل بظاهر اللفظ من وجه، ويعدل عن ظاهر اللفظ من وجه، فلم كان ما قلتم أولى؟ - قلنا: بهذا السؤال سلمتم أن ما ذكرتم ترك لظاهر اللفظ، فأما إيجاب ما لا ذكر له في اللفظ، [فـ] لا يكون تركًا لظاهر اللفظ، لأن اللفظ كما لا نتعرض له بالإثبات لا نتعرض له بالنفي، وإيجاب شيء لا يتعرض له الأمر بالنفي، لا يكون تركًا لظاهر الأمر.
إذا ثبت هذا- نقول: قول القائل "افعل" يقتضي إيجاب الفعل على كل حال. فلو قلنا إنه يثبت الوجوب في بعض الأحوال، كان ترك العمل
[ ٨٤ ]
بظاهر اللفظ. وإذا ثبت الوجوب في جميع الأحوال، ثبت وجوب نصب السلم، كي لا يكون إيجاب ما ليس في الوسع.
وإذا ثبت هذا- نذكر الأشياء التي لا يتم الأمر إلا بها:
منها- أن من ترك واحدة من الصلوات الخمس، ثم نسيها، يجب عليه فعل الخمس، لأن فعل المتروكة واجب عليه، ولا يتمكن من ذلك إلا بفعل الكل، فيجب عليه الكل.
ومنها- إذا وقعت النجاسة في الماس وجب الامتناع عن استعمال المال، لأن الامتناع عن استعمال النجاسة واجب، ولا يتمكن من ذلك إلا بالامتناع عن استعمال الماء، فيجب عليه ذلك.
ومنها- أن ستر الفخذ يقتضي إيجاب ستر شيء من الركبة- على ما مرَّ.
ومنها- أن من طلَّق إحدى نسائه بعينها، ثم ذهبت عليه عينها، يجب عليه الامتناع عن الاستمتاع [بالكل]، لأن الامتناع عن الاستمتاع بالمطلقة واجب، ولا يتمكن من ذلك إلا بالامتناع عن الاستمتاع بالكل- والله أعلم.