[ماهية أصول الفقه]:
فنتكلم أولًا في الفقه، وأصوله- لأن قولنا "أصول الفقه" مشتمل عليهما.
[ ٥ ]
أما الفقه:
ففي اللغة عبارة عن الفهم والمعرفة- فقال الله تعالى: ﴿لَاّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي لا يفهمون. وقال تعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ أي يفهموا. ومنه قول القائل "فقهت كلامك" أي عرفت غرضك ومقصودك.
غير أنـ[ـه] في عرف الفقهاء يفيد جملة من العلوم بأحكام شرعية، وهي الأحكام المستفادة بالشرع، لا الأحكام المدركة بالعقل، فإن للأفعال: أحكامًا عقلية نحو: كون الفعل عرضًا ويفتقر إلى محل يقوم به، ومخالفًا للجوهر،
[ ٦ ]
وكونه كونًا وحركة وسكونًا ونحو ذلك. وأحكامًا شرعية من نحو: كونه حسنًا ومباحًا ومندوبًا وواجبًا وقبيحًا وحرامًا ومحظورًا ومكروهًا: فالحَسن هو المختص بحال يقتضي استحقاق المدح عليه. والمباح ما أزيل عنه الحظر والمنع ممن يتوقع منه ذلك. والمندوب ما بُعث المكلف عليه من غير إيجاب. والواجب هو المختص بحال يقتضي استحقاق الذم على الإخلال به. والقبيح هو المختص بحال يقتضي استحقاقه الذم عليه. والحرام هو المختص بحال يقتضي المنع منه والذم عليه. والمحظور ما منع عنه بالزجر لا بالحبس، فإن من قبض على يد غيره لا يقال "حظر عليه البطش". والمكروه ما الأولى أن لا يفعل- فالفقه عبارة عن معرفة هذه الأحكام دون العقلية.
[ ٧ ]
وأما الأصل:
ففي اللغة عبارة عما يبتني عليه غيره ويتفرع عليه سواه، كأساس الجدار وساق الشجر ونحو ذلك.
فقولنا "أصول الفقه":
على موجب اللغة يفيد ما يتفرع عليه الفقه. وذلك يوجب أن يكون العلم بالله تعالى وبصفاته وبالنبوات من أصول الفقه، لما أن الفقه يتفرع عليه. غير أنـ[ـه] في عرف الفقهاء يفيد ما يؤدي إلى الفقه من الطرق. وذلك ضربان: دلالة وأمارة.
فالدلالة- هي التي النظر الصحيح فيها يفضي إلى العلم بالمدلول قطعًا، ككتاب الله تعالى والخبر المتواتر وإجماع الأمة.
والأمارة- هي التي النظر الصحيح فيها يفضي إلى غالب الظن، كخبر الواحد والقياس.
فالعلم الذي يوصلنا إلى الدلالة- هو الأمر الذي يوجب كون من قام به عالمًا. أعني يوجب التفرقة المعلومة بالضرورة بين المتيقن بالشيء المستبين له والجاهل به والشاكِّ فيه- على ما مرَّ في موضعه.
والظن- هو غلبة أحد التجويزين على الآخر في القلب والاعتقاد.
ثم كلامنا في طرق الفقه إنما يسمى كلامًا في أصول الفقه لو تكلمنا فيه
[ ٨ ]
على الإجمال. والمعنيُّ بذلك أنها غير معينة، فإنَّا متى تكلَّمنا متى تكلَّمنا في أن الأمر للوجوب لا نشير إلى أمر معين. وكذا النهي، والقياس. فأما الدلالة المعيَّنة التي يتكلم فيها الفقهاء، نحو قوله ﵇: "الأعمال بالنيَّات" فالكلام فيه لا يكون كلامًا في أصول الفقه، وإن كان طريقًا إلى الفقه.
وأما كيفية الاستدلال بها:
فالمعنيُّ بها الشروط والمقدمات وترتيبها، التي معها يُستدل بالطرق على الفقه.
وأما ما يتبع كيفية الاستدلال بها:
[فـ] مما يلزم المجتهد من الحكم بكونه مخطئًا أو مصيبًا، لما أن ذلك يتبع استدلاله.