ذهب أصحابنا ومعظم المتكلمين إلى أنه لا يقتضي التكرار، بل يقتضي فعل المأمور به فقط، وهو الفعل الذي تناول الأمر، مرة واحدة.
وذهب معظم أصحاب الشافعي ﵀ إلى أنه يقتضي التكرار.
[ ٨٧ ]
وقال بعضهم: نتيقن باقتضاء الفعل مرة واحدة، ونتوقف في الدوام والتكرار.
دليلنا في ذلك أن قول القائل "ادخل الدار" معناه "كن داخلًا في الدار"، لأن من دخل الدار يوصف بكونه داخلًا الدار، فإذا أمره بالدخول فقد أمره بأن يجعل نفسه على هذه الصفة، وهو [بـ] الدخلة الأولى جعل نفسه على هذه الصفة، فيسقط الأمر به. كمن قال لغيره "اضرب رجلًا" فضرب رجلًا واحدًا، يوصف بأنه ضارب رجل، ويسقط الأمر به- كذا هذا.
فإن قيل: هو بالدخلة الثانية يوصف بأنه داخل الدار، فهلَّا قلتم بدخوله تحت الأمر؟ أو توقفتم في دخوله تحت الأمر كما قاله البعض؟ - قلنا: هو بالدخلة الأولى يوصف بأنه داخل الدار على الكمال، فبعد ذلك: الدخلة الثانية تكرار لفائدة الأمر بعد استكمالها، فلا يُستفاد ذلك إلا بدلالة التكرار، أو بدلالة الاستغراق، كمن قال لغيره "اضرب رجلًا" فضرب رجلًا واحدًا: يوصف بكونه ضارب رجل على الكمال، فإذا ضرب آخر يكون ذلك تكرارًا لفائدة الأمر بعد استكمالها، فلا يستفاد إلا بدلالة التكرار، أو بدلالة الاستغراق- كذا هذا.
فإن قيل: ما أنكرتم أن قول القائل "اضرب" معناه "افعل الضرب"، ولو كان كذلك يقتضي التكرار، لأن اللام للجنس: قلنا: إن قول القائل "اضرب" تصريف من "ضرب" لا من "الضرب" لأنه ليس فيه الألف واللام، ولأنه لو كان تصريفًا من الضرب لكان قول القائل "ضربَ زيدٌ" معناه أنه فعل الضرب، ولو كان كذلك لكان من أخبر بضرب زيد أن يفيهم منه تكرار الضرب، وليس كذلك، بل يُفهم منه الضرب مرة واحدة.
وأما الخصوم فقد تعلَّقوا بأشياء:
منها- أنهم قالوا: وجدنا أوامر في كتاب الله تعالى مطلقة، وأنها مقتضية
[ ٨٨ ]
للتكرار، مثل قوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ إلى غير ذلك.
ومنها- أن الأمر المطلق لا اختصاص له بزمان دون زمان، فيقتضي الفعل في جميع الأزمان لفقد الاختصاص.
ومنها- أن الأمر لو لم يقتض التكرار لما جاز الاستثناء، ولما جاز النسخ، لأن النسخ في المرة الواحدة بَدَاء، والاستثناء من الواحدة نقض الكلام، وحيث صحَّ النسخ والاستثناء علم أنه مفيد للتكرار.
ومنها- أن الأمر المطلق لو لم يقتض التكرار والفعل على الدوام، لكان النهي المطلق لا يقتضي الانتفاء، على سبيل الدوام، لأنه ضده، ولما كان النهي يقتضي الانتهاء على سبيل الدوام- فكذلك الأمر، إذ هو ضده.
والجواب:
أما الأول- قلنا: لا نسلم بأن التكرار في تلك المواضع عُقِل من ظاهر الأمر، بل بدلالة زائدة، وهو التصريح بالدوام والتكرار وما يجري مجراه. وقد أجيب عن هذا بأن التكرار في هذه المواضع استفيد من تكرار أسبابها- ألا ترى أنه لم يثبت التكرار في بعض المواضع، وهو المر بالحج، لنه سببه، وهو البيت، لا يتعدد.
[ ٨٩ ]
وأما الثاني- قلنا: القائلون بالفور يقولون إن الأمر المطلق يختص بأول وقت الإمكان. والقائلون بالتراخي يقولون بأنه يقتضي إيجاب الفعل في جميع الأزمان، لكن على طريق البدل، وتناول الأمر تارة يكون على سبيل البدل، وفقد الاختصاص لا يدل على أحدهما.
وأما الثالث- قلنا: عندنا لا يجوز إلا إذا قامت دلالة تدل على أنه أراد به التكرار، فيتبين بالنسخ أن بعض المرات غير مراد. وأما الاستثناء- قلنا: القائلون بالفور لا يجوزون ذلك. والآخرون إنما يجوزون الاستثناء، لما مرَّ أن الأمر يتناول الأوقات لكن على البدل، فبالاستثناء يتبين أن بعض الأوقات غير مراد أصلًا.
وأما الرابع- قلنا: الأمر يقتضي النهي، لأن قول القائل: "كن داخلًا" موجود في قوله: "لا تكن داخلًا" وإنما زيد عليه حرف النفي، فجرى الأمر مع النهي مجرى قول القائل: "ليس في الدار رجل". ثم قول القائل: "في الدار رجل" يقتضي وجود رجل واحد في الدار. وقوله: "ليس في الدار رجل" يقتضي انتفاء جميع الرجال عنه، لأنه لو اقتضى نفي بعض الرجال كان فيه جمع بين فائدتيهما مع أنهما ضدان، وذا لا يجوز، فكذا هذا- وهذا:
[الأول]: لأن الأمر المطلق يقتضي أن المأمور به يوجد به مطلقًا، والنهي المطلق يقتضي أن المنهي عنه لا يوجد مطلقًا، وكلما وجد مرة فقد وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.
[ ٩٠ ]
والثاني: أن العادة فصلت بين الأمر والنهي: فإن السيد إذا قال لعبده: "لا تدخل" فهم منه الانتهاء على الدوام. ولو قال له: "ادخل" فهم منه الدخول مرة. والفقه في ذلك: هو أن حمل الأمر المطلق على التكرار والاستغراق يؤدي إلى تعطيل الأشغال كلها، لنه لا يتفرغ لغيره من الأفعال، وحمل النهي على الدوام لا يؤدي إلى ذلك، لنه يتفرغ للأشغال كلها مع الامتناع عن فعل معين على الدوام.
والثالث: أن النهي يدل على قبح المنهي عنه، والقبيح يجب الكف عنه أبدًا، أما الأمر [فـ] لا يدل على ما يوجب الإقدام عليه، على الدوام.
وأما من توقف في الحمل على التكرار- قال: إن الأمر المطلق محتمل للدوام والتكرار، بدليل أنه لو أراد به ذلك وقرن به دلالة التكرار يحمل عليه، وما احتمله اللفظ جاز أن يراد به، فيجب التوقف فيه.
ونحن نقول: لا نسلم احتماله للدوام والتكرار، بل الأمر المطلق لا يحتمل إلا الفعل مرة واحدة- على ما مرَّ. ولو قرن به دلالة التكرار، لا يكون بيانًا وتفسيرًا للفظ، بل زيادة متممة للكلام كقوله: "افعل هذا الفعل عشر مرات" أو "على الدوام" أو على ما يجري مجرى هذا الكلام، فهذه جملة مفيد للعدد والدوام، لا أنه موجب الأمر المطلق.