ذهب بعض أصحابنا وجماعة من المتكلمين أنه يقتضي تعجيل الفعل المأمور به، ولا يجوز تأخيره عن أول أوقات الإمكان.
[ ٩٥ ]
وذهب أصحاب الشافعي ﵀ وعامة المتكلمين إلى أنه يجوز تأخيره عن الوقت الأول إلى ما بعده من الأوقات- إلا أن منهم من يجعل العزم على الفعل في الثاني بدلًا عن الفعل في الوقت الأول. ومنهم من لم يجعله بدلًا عنه.
والمذهب المختار أنه يقتضي وجوب فعل واحد، والأوقات كلها سواء في إيقاع الفعل المأمور به، بالأمر المطلق.
أما القائلون بالفور-[فـ] تعلقوا بأشياء:
١ - منها:
أن الفعل قد وجب في الوقت الأول، وذلك يمنع جواز التأخير عنه. وإنما قلنا: إن الفعل قد وجب في الوقت الأول، لأن الأمر تناول الفعل في الوقت الأول، بدليل أن المكلف إذا أتى به في الوقت الأول كان إتيانًا بما تعبد به وسقط عنه التكليف، والتكليف إنما يسقط بإتيان ما تناوله الأمر، فلولا أن الأمر تناول الفعل في الوقت الأول، وإلا لم يكن إتيانًا بما تعبد به، ولما سقط عنه التكليف. ومتى تناوله الأمر كان واجبًا، إذ الأمر مقتضاه الوجوب، وإذا وجب الفعل في الوقت الأول [فـ] لا يجوز تأخيره عنه، لأنه لو جاز تأخيره عنه كان في ذلك نقض الوجوب وإلحاقه بالنافلة، ولا يقال بأن الفرق بينه وبين النافلة أن النافلة يجوز الإخلال بها مطلقًا، وهذا مما يجوز الإخلال به في الوقت الأول، إلا أن يغلب على الظن فواته إن لم يفعله، لنا نقول: إنما نلزمكم إلحاقه بالنافلة- بجواز التأخير في الوقت الأول، [لا أنه] كان مخيرًا بين الفعل والترك، وهذا هو حقيقة النافلة. ولا يقال: عندنا يجوز التأخير عن الوقت الأول لكن
[ ٩٦ ]
إلى بدل يقوم مقامه، وهو العزم على الفعل في الزمان الثاني، ويجوز تأخير الواجب إلى بدل يقوم مقامه.
وبيانـ[ـه] أن الأمر المطلق يجعل الأوقات كلها سواء في إيقاع الفعل المأمور به فيها، ولن يجعل ذلك إلا بأن يجوز التأخير عن الوقت الأول، والواجب لا يجوز تأخيره عن الوقت الواجب فيه إلا إلى بدل، فجعلنا "العزم" بدلًا عنه، لأن الأمة أجمعت أنه لو ترك الفعل في الوقت الأول يجب عليه أن "يعزم" على الفعل في الزمن الثاني، فقد قامت الدلالة على كون "العزم" بدلًا، ولم يقم على شيء آخر، فجعلنا "العزم" بدلًا عنه.
هذا هو حجة القائلين بجواز التأخير عن الوقت الأول إلى بدل، [و] لا يقال هنا، لأنا نقول: لمَّا سلمتم أن الواجب لا يجوز تركه إلا ببدل، فما الدليل على وجوب "العزم" بدلًا، لأن الأبدال لا يجوز إثباتها بالرأي، بل بدليل قاطع؟ وقيام الدليل على وجوب "العزم" لا يدل على كونه بدلًا.
[ ٩٧ ]
ثم الدليل على أن العزم لا يصلح بدلًا: أن البدل وجوبه على حذو الأصل، ليجري فعله مجرى فعله، وفي ذلك بطلان تعيين الوقت للعزم.
والدليل عليه أن العزم لو كان بدلًا لا يخلو: إما أن يقوم مقام الواجب ويسدُّ مَسدَّه في حصول المصلحة المطلوبة منه، أو لا يقوم مقامه ولا يسد مسدَّه:
فإن كان الأول-[فـ] ينبغي أن يسقط عنه الفعل بوجود العزم، لأن المصلحة من الواجب قد استوفيت بالعزم على الفعل.
وإن كان الثاني- فلا يصلح بدلًا عنه.
ولا يقال بأن "العزم" بدل عن الفعل في الزمان الأول، فيبقى الفعل في الزمان الثاني على ما هو عليه من المصلحة، لأنا نقول: الأمر عندكم لا يقتضي وجوب الفعل في جميع الأزمان، على الجمع، لأنه قول بالتكرار، وقد أبطلناه. ولا يمكن القول بأن الفعل في الزمان الأول يسقط بالعزم ويبقى الفعل في الزمان الثاني واجبًا، بل الأمر عندكم يقتضي وجوبَ فعل واحد في زمان غير عين، فإذا وجد في الوقت الأول ما يسد مسده في استيفاء المصلحة، ينبغي أن يسقط عنه التكليف، كما لو فعل المأمور به. وحيث لم يسقط، علم أن "العزم" لا يصلح بدلًا أصلًا.
٢ - ومنها:
الاستدلال بألفاظ الطلاق والعتاق والنكاح، فإن أحكام هذه الألفاظ تثبت على الفور، فكذلك حكم الأمر. والجامع بينهما أن هذه الألفاظ تفيد أحكامها، والحكم إنما يثبت في الوقت، وليس للوقت فيها ذكر، فيثبت في
[ ٩٨ ]
أقرب الأوقات إليها. فكذا هنا: الأمر يقتضي إيجاب الفعل، والفعل إنما يقع في وقت، [ووقت] وقوعه [غير] مذكور، فيقع في أقرب الأوقات إليه.
٣ - ومنها:
أن جواز التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة. وبيانه: أنه لو جاز التأخير إما أن يجوز التأخير لا إلى غاية أو إلى غاية: الأول- باطل، لأنه ينقض الوجوب، والثاني- لا يخلو: إما أن تكون الغاية معينة أو موصوفة. مثال المعينة: أن يقول "افعل إلى وقت كذا" أو "إلى الوقت الفلاني" وهذا مما لا قائل به، ولم تقم الدلالة عليه، لأن الأمر لا يختص ببعض الأوقات دون البعض. والمراد بالموصوفة: الوقت الذي لو أخر عنه غلب على ظنه فواته. وذلك الظن لا يخلو: إما أن يكون صادرًا لا عن أمارة، أو يكون صادرًا عن أمارة- الأول باطل لأن الظن الذي لا يستند إلى أمارة لا يجوز بناء الحكم عليه، وهو بمنزلة الظن السوداوي. وإن كان صادرًا عن أمارة مثل علو السن أو المرض، فهذا باطل أيضًا، لأنه يؤدي إلى أن من مات فجأة لا شيء عليه، مع أن ظاهر الأمر يتناوله، وأنه يقتضي الإيجاب. فثبت أن جواز التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة، فكان باطلًا.
[ ٩٩ ]
٤ - ومنها:
أن الأمر بالفعل يوجب الفعل واعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال، ثم وجوب الاعتقاد والعزم ثابت على الفور. وكذلك وجوب الفعل، لأن الكل موجب الأمر.
ونحن نستدل على صحة ما ذهبنا إليه، فنقول:
الأمر المطلق بالفعل يتناول الفعل، وليس فيه تعرض للزمان أصلًا، فإن قول القائل: "اضرب" يفهم منه الضرب دون الزمان، لأن الزمان من ضرورة الفعل كالمكان، وهو كالشخص المضروب في الضرب، وآله الضرب. ثم الأمر بالضرب لا يقتضي مضروبًا معينًا ولا آلة معينة، ولا في مكان معين- وكذا الزمان، فيقتضي إيجاب الفعل في زمان ما، ففي أي زمان يأتي به، يصير آتيًا بالمأمور به، وهذا يمنع الفور والتعجيل.
فإن قيل: للأمر اختصاص بالزمان الأول في حق إفادة الوجوب، لأنه متصل بزمان وجود الأمر، والوجوب فائدة الأمر وثمرته، والشيء إذا صادف وقتًا فثمرته وفائدته تصادف ذلك الوقت، لاختصاصه به وجودًا من بين سائر الأوقات. وصار كالطلاق والعتاق والنكاح مع أحكامها- قلنا:
- لا نسلم بأن للأمر اختصاصـ[ـًا] بالوقت الأول من أوقات الفعل- بيانه: أن الاختصاص إما أن يكون من حيث الوجود، أو من حيث الذكر والاقتضاء:
* واختصاص الأمر، من حيث الوجود، بالزمان الذي وجد فيه، وفي الزمان [الذي] وجد فيه الأمر- لا يتصور الوجوب، لأن الفعل إنما يجب ويوجد بعد الأمر، وبعد ذلك انعدم في نفسه، فلا يكون له اختصاص الوجود بزمان آخر.
[ ١٠٠ ]
واختصاصه من حيث الذكر والاقتضاء، بأن يصير بعض الأوقات فيه مذكورًا- فليس في الأمر ذكر واقتضاء لوقت ما على ما مرَّ. [و] ينفي هذا القدر أن الوقت الأول أقرب إلى زمان وجود الأمر، ولكن هذا لم يوجب اختصاص الوجوب به، وهذا هو عين المسألة.
- وأما ألفاظ الطلاق والعتاق والنكاح- ففيها اختصاص واقتضاء بالزمان الماضي والحال، فإنه قوله: "أنت طالق" وصف لها وإخبار عن كونها طالقًا في الماضي أو في الحال، كقوله: "أنت قائم" أو "قاعد"، والشرع جعله إنشاء في الزمان الذي يقتضيه الوصف لغة.
- أما قوله "افعل" -[فـ] طلب الفعل في المستقبل من غير تعرض لزمان، على ما مرَّ.
- وقولكم إن المر إذا صادف وقتًا فثمرته تصادف ذلك الوقت- قلنا: قد ذكرنا أنه لا يتصور مصادفة الوجوب في زمان مصادفة الأمر، لأنه يثبت بعده حكمًا له.
- ثم نقول: الأمر كما ذكرت أن ثمرة الشيء تصادف زمانًا اتصل به، لكن الخلاف في ثمرة الأمر: أن ثمرته الوجوب على الفور أو التراخي؟، فيعود الكلام إلى أول المسألة.
وأما الجواب عن كلام المخالفين:
أما الأول- قلنا: أيش عنيتم بقولكم: إن الفعل قد وجب في الوقت الأول؟:
[ ١٠١ ]
- إن عنيتم به أنه لزم المكلف [فعله فيه] ومنع من التأخر عنه، فهو موضع النزاع، وقد نفيناه بما ذكرنا أن المر المطلق لا اختصاص له بوقت دون وقت.
- وإن عنيتم به صيرورة الفعل مصلحة مسقطعة للواجب، فمسلم، ولكن لم قلتم بأن هذا يمنع جواز التأخير؟
قوله: بأنه ينقض الوجوب ويلحقه بالنافلة- قلنا: إنما يلحقه بالنافلة إذا كان يخرجه عن كونه مصلحة مسقطة للفرض، وفعله في الوقت الأول مصلحة مسقطة للفرض، والفعل في الثاني كذلك، وهو بدل عن الفعل في الأول، والواجب يجوز تأخيره إلى ما يسد مسده في المصلحة ولا يلحقه ذلك بالنافلة، كما في الكفارات الثلاث على ما ذكرنا.
فإن قيل: الأمر متى تناول الفعل في الوقت الأول لم يبق متناولًا للفعل فيما بعده، إذ لو قلنا بأنه يتناول الفعل في الوقت الثاني يكون تكرارًا لمقتضى الأمر، والأمر لا يقتضي التكرار، ومتى لم يكن متناولًا إلا الفعل في الزمان الأول، فجواز التأخير مؤدٍ إلى ما ذكرناه. وليس لكم أن تقولوا إن المفعول في الثاني والثالث [بدل] عن المفعول في الأول، فالتأخير عن الوقت الأول لا يكون تفويتًا للمأمور به- لأنا نقول: إن أفعال العباد [التي] تختص بالأوقات لا يجوز عليها التقدم والتأخر، فما يصح أن يوجد مرة في وقت، لا يصح أن يوجد مرة في وقت آخر. ومتى كان المفعول في الوقت الثاني [بدلًا] عن المفعول في الوقت الأول، لو قلنا بأنه يتناوله في الثاني، يؤدي إلى التكرار- قلنا: الأمر تناول فعلًا واحدًا، لكنه تناول فعلًا، له صورة مخصوصة
[ ١٠٢ ]
من الأفعال، لا الفعل المعين، لأن المكلف لا يميز ذلك، ومتى يتناول فعلًا واحدًا على صورة مخصوصة، والفعل في الزمان الثاني والثالث على صورة مخصوصة، فإذا فعل في أي وقت، فقد فعل فعلًا له صورة مخصوصة، فيسقط الأمر. كما إذا قال لغيره: "ادفع درهمًا إلى رجل"، فإذا دفع أي درهم شاء إلى أي رجل شاء، سقط عنه الأمر، لأنه مأمور بدفع شيء له صورة [مخصوص] إلى شخص له صورة مخصوصة، وقد وجد، فكذا هذا. على أن نقول: الأمر عندنا لا يقتضي التكرار: على معنى أنه لا يقتضي وجوب الأفعال على الجمع، بحيث لو فعل الواحد يجب عليه غيره. أما يقتضي التكرار على معنى أنه يقتضي وجوبها على البدل، فأيها فعل يسقط الأمر، وهو بمنزلة قوله: "افعل في أي وقت شئت" [فإنه] تناول فعلًا واحدًا، وحكمه ما ذكرنا- كذا هذا.
وأما الثاني- قد ذكرنا أن هذه الألفاظ موضوعة في اللغة للإخبار، والشرع جعلها إنشاء في الحال، وليس من ضرورة أن يثبت الشرع حكمًا على الفور في موضع، أن يكون المر المطلق، على الفور. على أن هذا إثبات موجب اللفظ بدليل آخر، ولا كلام فيه، إنما الكلام في موجب اللفظ. ولن هذا إثبات موجب اللفظ قياسًا على موجب لفظ آخر، وذلك ممتنع. ولو جاز ذلك، فقياس هذا على الخبر أولى- وبيانه: أن من قال: "زيد سيدخل الدار" فدخلها بعد مدة، يعدُّ صادقًا، فكذا الأمر، لأن معنى قول القائل: "زيد سيدخل الدار" إخبار عن إيقاع الدخول، كما أن قول القائل: "ادخل" حثٌّ على إيقاع الدخول. ثم الخبر عن الإيقاع: لا يقتضي وجود المخبر على الفور، فكذا الحث على الإيقاع: لا يقتضي الفعل على الفور أيضًا.
وأما الثالث- فنقول: عندنا يجوز تأخير الفعل إلى غاية أن يغلب على الظن فواته بأمارة، وهذا لما مرَّ: أن الأمر تناول فعلًا واحدًا في زمان غير معين، وإذا كان كذلك، فالواجب في الحكمة أن يعين الله تعالى وقتًا يتضيق فيه الوجوب، وإلا لم يكن للعبد سبيل إلى معرفة ما كُلِّف به. فإذا وجدنا الأمارة، نحكم بأن
[ ١٠٣ ]
الله تعالى أراد تضييق الوجوب في هذه. والموت فجأة لا عن أمارة نادر، ولو تحقق ومات عن غير أمارة تبين أن الله تعالى ما أراد بذلك الإيجاب، كما في قوله: "افعل في أي وقت شئت".
وأما الرابع- قلنا:
[الأول]- هذا استعمال القياس في اللغات، وإنه باطل.
والثاني- هو منقوض بقوله: "افعل في أي وقت شئت": فغن الاعتقاد والعزم على الفور، دون الفعل.
ثم نقول: وجوب العزم والاعتقاد معلوم بقرينة وأدلة دلَّت على التصديق للشارع والعزم على الانقياد له، لا بمجرد اللفظ- والله أعلم.