اعلم أن الوقت المضروب للفعل لا يخلو: إما أن يزيد على مقدار الفعل، أو لا يزيد على مقدار الفعل-[نقول]:
- إن كان لا يزيد على مقدار الفعل: [فـ] لا شبهة أن جميع الوقت وقت للوجوب، كاليوم للصوم.
- وإن كان يزيد على مقدار الفعل، كوقت الظهر للظهر، اختلفوا فيه:
* قال بعضهم: الوجوب يختص بأول الوقت، وهو قول عامة أهلا لحديث وبعض المتكلمين. واختلفوا في المفعول في آخر الوقت: قال بعضهم: هو قضاء. وقال بعضهم: هو أداء.
[ ١٠٤ ]
* وذهب بعض المتكلمين إلى أن الوجوب يختص بآخر الوقت. واختلفوا في المفعول في أول الوقت:
قال بعضهم: هو نفل يسقط الفرض، وهو محكي عن أبي الحسن الكرخي ﵀.
وقال بعضهم: يقع موقوفًا، فإن بقي بصفة المكلفين إلى آخر الوقت وقع واجبًا، وإلا فلا- حكاه أبو بكر الرازي عن الكرخي.
وقال بعضهم: الوجوب يختص بالوقت كله.
ثم اختلفوا فيما بينهم:
فمنهم من أثبت للفعل في أول الوقت بدلًا، وهو "العزم على الفعل في الثاني".
ومنهم من لم يثبت له بدلًا.
[ ١٠٥ ]
وحكى عن الكرخي ﵀ أيضًا أن الوجوب يتعين بأحد أمرين: إما بالفعل، أو بأن يتضيق عليه الوقت.
والمذهب المختار أن الأمر الموقت بوقت، في إفادة الوجوب فيه، كالأمر المطلق في إفادة الوجوب في جميع العمر، فيقتضي إيجاب الفعل المستغرق للوقت والفعل في كل جزء من أجزاء الوقت على طريق البدل كما ذكرنا، وهو بمنزلة قوله: "افعل في أي جزء شئت من أجزاء هذا الوقت". ولو مات في أثناء الوقت فجأة فالحكم فيه ما ذكرنا.
وأما من قال باختصاص الوجوب بأول الوقت -[فـ] ذهب في ذلك إلى أن للوجوب حكم الأمر، والأمر قد وُجد في أول الوقت، فيثبت حكمه- دلَّ عليه أنه لو فعل في أول الوقت سقط عنه الواجب، والواجب إنما يسقط بفعل ما تناوله الإيجاب، فلولا أن الفعل في أول الوقت واجب لما سقط عنه بأدائه.
وأما من قال باختصاصه بآخر الوقت-[فـ] قال بأن الفعل في الوقت لو كان واجبًا لما جاز تركه، إذ الواجب ما لا يجوز الإخلال به.
وقوله بأنه يسقط الفرض، قلنا: ليس يمتنع أن يكون الفعل نفلًا ثم يسقط به الفرض، كالوضوء قبل الوقت: نفل، لأن الوضوء إنما يجب لأجل الصلاة، ولا صلاة عليه قبل الوقت. ومع هذا يسقط به الوضوء الواجب في الوقت بقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾. وكذا الزكاة قبل حولان الحول: نفل، يسقط به الفرض. ولا يقال بأن المفعول في أول الوقت لو كان نفلًا
[ ١٠٦ ]
ينبغي أن يؤدَّى بنية النفل، لأن هذه نية مطابقة لما عليه الفعل في نفسه، فكان أولى بالجواز، ولأنه لو كان نفلًا لكان لا يؤدَّى بأذان وإقامة كسائر النوافل، ولأنه لو كان نفلًا لم يكن الفعل في أول الوقت أولى من الفعل في آخره، كسائر النوافل. والإجماع انعقد على أن المغرب في أول الوقت أفضل.
لا يقال هذا، لأنَّا نقول:
أما الأول- قلنا: هذا باطل بأداء الزكاة قبل الحول، فإنه نفل، ومع هذا يؤدَّى بدون نية النفل، ولا يؤدى بنية النفل.
فإن قال: إنه إنما يجوز، بنية كونه نفلًا، زكاة- قلنا: عندنا يجوز أداء الظهر أيضًا بنية كونه ظهرًا نفلًا، فما الشناعة في هذا إلا كالشناعة ثَمَّ!
وأما الثاني- قلنا: كراهية الأداء بالأذان والإقامة، في النوافل المطلقة، دون النفل المسقط للفرض.
وأما الثالث- قلنا: النفل إذا كان مسقطًا يجوز تقديمه، كتعجيل الزكاة قبل تمام الحول عند شدة حاجة الفقراء.
على أنا نقول: هذه الأحكام، أحكام النفل المطلق، وهذا ليس بنفس مطلق، لأن النفل المطلق ما يجوز تركه وترك أمثاله، وهذا، إن جاز تركه، لا يجوز ترك أمثاله- هذا تقرير هذا الوجه.
[ ١٠٧ ]
إلا أنَّا نستدل على صحة ما ذهبنا إليه، فنقول: الوجوب يُستفاد بالأمر، والأمر تناول الوقت، ولم يتعرض لجزء من أجزائه مع استواء كل جزء منه لوقوع الفعل فيه، فيقتضي وجوب فعل له صورة مخصوصة في أي جزء كان- على ما ذكرنا في المسألة المتقدمة. الدليل عليه أن المصلحة تصير مستوفاة بالفعل في أول الوقت، والفعل في الثاني يسدَّ مسدَّ الفعل في الزمان الأول في استيفاء المصلحة حتى لا يلزمه شيء، إذ فعل في الزمان الثاني، فلو لم تصر المصلحة مستوفاة به، للزمه فعل آخر لاستيفاء المصلحة.
فإن قيل: إنما لا يلزمه فعل آخر باعتبار أن المصلحة قد فاتت بالعفل في الزمان الأول، لا لأن المصلحة صارت مستوفاة بالفعل في الزمن الثاني- قلنا: لو كان الأمر كذلك لكان الفعل في الزمان الأول منهيًا عنه، لأن فيه تفويت مصلحة بحيث استيفاؤها وليس كذلك، بل الفعل في الأول قد يكون أولى، كما في [صلاة] المغرب.
فالحاصل أنه:
يقال للقائلين باختصاص الوجوب بآخر الوقت: إنه إذا فعل في أول الوقت لا يخلو: إما إن بقيت المصلحة في آخر الوقت، أو فاتت:
فإن بقيت- يجب أن يبقى الفعل في آخر الوقت واجبًا، وليس كذلك، بالإجماع.
وإن فاتت- يجب أن يكون الفعل في أول الوقت حرامًا، وليس كذلك، بالإجماع.
ويقال للقائلين باختصاص الوجوب بأول الوقت- ما الذي عنيتم بوجوب الفعل في أول الوقت؟
[ ١٠٨ ]
إن عنيتم: أنه يلزمه فعله في الحال ويمنع من تأخيره، فهو موضع النزاع.
وإن عنيتم: أنه مصلحة مُسْقطة للفرض، فهذا لا يمنع جواز تأخيره إلى بدل يسدّ مسدَّه.
ويقال للقائلين باختصاص الوجوب بكل الوقت- ما تعنون به؟
إن عنيتم: أنه يجب استغراق الوقت بفعل الواجب- فهذا باطل بالإجماع.
وإن عنيتم به: أن الفعل في كله وفي كل جزء منه واجب على البدل، فكل واحد منهما جهة في استيفاء المصلحة. وهو المذهب الذي ننصره.
وإذا قررنا الكلام على هذا الوجه- لا نحتاج إلى القول بكون الفعل مسقطًا للفرض، وإلى القول بالتوقف في المفعول في أول الوقت، وإلى كون العزم بدلًا عن الفعل- والله أعلم.