قال بعض أهل الأصول: إن الأمر الموقت بوقت لا يدل على غيجاب الفعل فيما عدا الوقت، سواء أطاع المكلف فيه أم عصى- وهو المختار. وهو اللائق بفروع أصحابنا، فإنهم وقفوا وجوب القضاء في الواجبات على أمر جديد.
وقال بعضهم: إن يدل عليه، والقضاء يجب بالأمر السابق.
وأصحاب الشافعي ﵀ ذكروا أن له قولين- أحدهما هذا، والثاني ما صرنا إليه.
دليلنا في ذلك: أن الأمر بالفعل في وقت، لا يتناول الفعل، فيما عدا الوقت. فإن السيد إذا قال لعبده: "صلِّ ركعتين يوم الجمعة هذا"،
[ ١٠٩ ]
لا يتعرض لما بعد الجمعة. وما لا يتناوله لا يدل على إثباته ونفيه. ولهذا لم يدل على استدعاء الفعل قبل الوقت، فصار نظير الأمر المقيد بالصفة: لا يتناول من لم يختص بتلك الصفة، فإن من قال لعبده: "اضرب من كان في الدار" لا يتناول من كان خارج الدار. وهذا الفقه، وهو أن وجوب الفعل يتبع اشتماله على وجه المصلحة، ولا يمنع أن يكون المصلحة في الفعل في هذا الوقت دون غيره، لأن المصالح تختلف باختلاف الأوقات، ولهذا اختصت الصلوات الخمس بأوقاتها وصوم رمضان بشهر رمضان، حتى لا يجوز تقديمها على الوقت، وإذا لم يعرف كون الفعل مصلحة في الوقت الثاني، بالأمر الأول، لا يمكن إيجابه به.
فإن قيل: ألسنا نعرف أن الله تعالى لو أمرنا بالتصدق بأيماننا، يجب علينا التصدق بشمائلنا إذا تعذَّر علينا التصدق بأيماننا- قلنا: لا نعرف ذلك إلا إذا دلَّ الدليل أن الغرض إيصال النفع إلى الفقير فقط، فنعرف جواز التصدق باليسرى بهذا الاعتبار، لا بالأمر.
وأما المخالف- فقد ذهب في ذلك إلى أن الأمر بالفعل في وقت أفاد شغل الذمة بالواجب، ففراغها بعد ذلك إنما يكون لحد أمرين: إما أداء الواجب، أو إسقاط من له الحق، وذهاب الوقت ليس من أحدهما من شيء، ولأن الفعل إذا وجب في وقت وامتنع العبد عن أدائه بقى في عهدة الواجب، فيحتاج إلى فعل آخر يخرجه عن العهدة، وذلك بالفعل فيما بعد الوقت.
والجواب:
- أما الأول- قلنا: الأمر أفاد شغل الذمة بالواجب موقتًا إلى انتهاء الوقت، فإذا انتهى الوقت، فات الواجب، وبقي الاثم بالعصيان.
- وأما الثاني- قلنا: إنما يخرجه عن العهدة بفعل يقوم مقامه في المصلحة الداعية إلى الإيجاب، والأمر لا يدل على كون الفعل بهذه الصفة بعد الوقت. على أن هذا إثبات موجب الأمر بالحاجة والقياس، وذا لا يجوز.
[ ١١٠ ]
فإن قيل: إذا دل الدليل على إيجاب مثل ما أمر به الوقت- أيكون قضاء أم لا؟ قلنا: نعم إذا وجدت فيه شرائط القضاء:
- منها- أن يكون القضاء مثل ما فاته، ولهذا لا يكون بالصلاة قضاء عن الصوم ولا على [القُرَب].
- ومنها- أن يكون المقضي مأمورًا به- إذ لو لم يكن مأمورًا به [و] واجبًا، كان إيجابًا مبتدأ لا قضاء عنه.
- ومنها- أن يكون سبب وجوب القضاء فوات ما أمر به، فإن من فاته صوم يوم من رمضان فأدرك عدة من الأيام ولم يقض، ثم قضى، يكون قضاء عما فاته في رمضان، لا عما فاته في أيام أخر.
- ومنها- أن يكون القضاء مأمورًا به، لأنه إذا لم يكن مأمورًا به، بل [كان] نفلًا، فإذا فعله لا يكون قضاء عن شيء.
فإذا وجدت هذه الشرائط يكون قضاء، وإلا فلا- والله أعلم.
[ ١١١ ]