ذهب بعضهم إلى أنها لم تتوجه إليهم أصلًا، وإنما أمروا بأمثالها.
وذهب بعضهم إلى أنها متوجهة إليهم يومئذ والآن.
وذهب بعضهم إلى أنها تتوجه إليهم حال وجودهم واستكمال حالهم- وهو المختار على التفسير الصحيح.
- فمن قال بعدم توجهها إليهم اصلًا قال بأن وجود المخاطب، وكونه عاقلًا يفهم الخطاب- شرط، وهؤلاء لم يكونوا موجودين حالة الخطاب.
- ومن قال يتوجهها إليهم يومئذ والآن، قال: إن فهم بعض المخاطبين يكفي، وقد وجد.
ونحن نكشف الغطاء عن وجه الكلام- فنقول:
* إن عني، بكونها متوجهة إلينا: أنها دلت على إرادة الإيجاب وطلب الفعل منا عند وجودنا واستكمال حالنا، فهذا مما لا امتناع فيه، بل هو ثابت قطعًا، لأنا نعلم باضطراد أن أوامر الله تعالى وأوامر الرسول دالة على وجوب الشرائع على كل من يوجد من الأمة ويصير بصفة المكلفين.
* وإن عني به: أنها وقعت خطابًا شفاهًا، فالكلام فيه على التفصيل، فنقول:
- في أوامر الله تعالى: إنها وقعت خطابًا لنا، لكن لا في زمان النبي ﵇، بل عند وجودنا واستكمال حالنا، ولا امتناع في ذلك [إذ] أن صحة الخطاب يعتمد وجود المخاطِب والمخاطَب، والله تعالى موجود
[ ١١٣ ]
لم يزل ولا يزال، ونحن موجودون الآن، وكلام الله تعالى أزلى لا يقبل العدم، فكان خطابًا لأهل كل عصر عند وجودهم واستكمال حالهم، والتغيير في المخاطَب، لا في المخاطِب والخطاب، وكل واحد منا مأمور بأوامر الله تعالى مخاطبًا بخطابه.
- فأما أوامر النبي ﵇: [فـ] متوجهة إلينا حال وجودنا، بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، لأنا لم نكن عقلاء حال وجودنا وحالة الخطاب، فالنبي ﵇ ليس في عالمنا، فلا يتصور منه خطابنا وأمرنا مشافهة، فصار كل واحد منا مأمورًا بأمر النبي ﵇ بنقل نَقَلة الشرع أوامره إلينا، ولم نصر مخاطبين من جهته مشافهة- والله أعلم.